العـــرب والعالــم

أكبر خطأ طهران | جيروزاليم بوست

هناك مفارقة عميقة في جوهر استراتيجية التصعيد التي تنتهجها جمهورية إيران الإسلامية. لقد فشل مهندسو الإرهاب في طهران بطريقة أو بأخرى في إدراكه أو اختاروا ببساطة تجاهل الواقع بالكامل.
في مسعى لا هوادة فيه لفرض هيمنته المطلقة على الشرق الأوسط، حقق النظام الإيراني في 18 شهراً ما لم تتمكن عقود من المناورات الدبلوماسية الأميركية ومبادرات السلام الإسرائيلية المتعاقبة من تحقيقه.

لقد أجبرت طهران العالم العربي السني على مواءمة بنيته الأمنية بشكل مباشر مع بنية الدولة اليهودية. ومن المثير للدهشة أن هذا حدث دون التوقيع على معاهدة تطبيع جديدة واحدة، ودون احتفال كبير في البيت الأبيض، ودون تقديم تنازلات فيما يتعلق بدولة فلسطينية، ودون السقالات الدبلوماسية التي طالب بها المجتمع الدولي منذ فترة طويلة كثمن للدخول إلى التكامل الإقليمي.

وعندما أكدت المملكة العربية السعودية والأردن علناً حقهما في الدفاع عن النفس ضد العدوان الإيراني، رفضت معظم وسائل الإعلام الغربية هذه التصريحات باعتبارها مجرد مواقف بلاغية. يفترض المحللون في كثير من الأحيان أن هذه مجرد لغة رسمية تستخدمها الحكومات العربية أثناء الأزمات، فقط لتتخلص منها بهدوء عندما تهدأ التوترات.
وهذا التفسير ساذج بشكل خطير. إن ما عبر عنه صناع السياسات في الرياض وعمان يمثل إعادة حسابات استراتيجية أساسية. ويستغرق هذا النوع من التحول سنوات لزراعته وإعادة تشكيل سلوك الدولة حتماً بطرق تدوم بعد انتهاء الأزمة المباشرة.

متظاهر يحمل لافتة خلال احتجاج ضد الحكومة الإيرانية نظمه أنصار العائلة المالكة الإيرانية في المنفى، والذين ساروا عبر وسط لندن مروراً بالسفارة الإيرانية إلى السفارة الإسرائيلية، في لندن، بريطانيا، 8 مارس، 2026. (رويترز/يان تيسييه)

تبني المؤسسات العسكرية خططها للطوارئ حول هذه الإعلانات الرسمية. تقوم وكالات الاستخبارات بإعادة معايرة بروتوكولات المشاركة الخاصة بها بناءً عليها. تم تغيير خطوط أنابيب المشتريات الدفاعية لتعكس هذا الواقع الجديد.

إن أهمية هذا الزلزال الجيوسياسي عميقة بالنسبة لإسرائيل بطرق لم يستوعبها المستوى السياسي في القدس بالكامل. منذ ولادتها من جديد، ظلت دولة إسرائيل الحديثة موجودة باعتبارها الطرف الفاعل المعزول في المنطقة. لقد كانت الأمة التي استخدمتها الدول المجاورة لتحديد معارضتها الخاصة. لقد استوعبت إسرائيل العداء الهيكلي باعتباره سمة دائمة لبيئتها، واضطرت باستمرار إلى تبرير احتياجاتها الأمنية لحلفائها الغربيين الذين كانوا في الوقت نفسه يتوددون إلى الأنظمة ذاتها التي تسلح أعداءها.

ورغم أن هذه الحالة الأساسية لا تزال قائمة، فقد تعطلت بشدة. إن هذا الاضطراب مزمن بشكل لا يصدق، خاصة لأنه لم يكن نتاج الدبلوماسية الإسرائيلية أو حملات الضغط الأمريكية. إنها النتيجة المباشرة للعدوان الإيراني.

إن الحقائق على الأرض التي يخلقها الخصم تحمل ثقلاً نفسياً مختلفاً جوهرياً عن الحقائق التي يتم هندستها من خلال التنازلات التي يتم التفاوض عليها. وعندما تغير الدول العربية موقفها الدفاعي لأن الصواريخ الإيرانية تضرب أراضيها أو تهدد بنيتها التحتية النفطية، فإنها لا تقدم معروفاً لإسرائيل. إنهم يتصرفون بدافع الحفاظ على الذات.

فرصة استراتيجية – إذا تم التعامل معها بعناية

إن الضرورة الاستراتيجية بالنسبة لإسرائيل في الوقت الحالي تتطلب انضباطاً استثنائياً. ويتعارض هذا النهج مع كل غريزة تطورت على مدى عقود من العزلة الإقليمية. ويتعين على القادة الإسرائيليين أن يقاوموا بشدة إغراءات تولي ملكية هذا التحالف الناشئ بشكل واضح. وفي اللحظة الثانية التي يصبح فيها مسؤول إسرائيلي الوجه العام للبنية الأمنية الجديدة في الشرق الأوسط، فإن الحكومات العربية سوف تواجه ضغوطاً محلية ودبلوماسية هائلة للركض في الاتجاه المعاكس.

ويظل التحالف الذي صاغه العدوان الإيراني قابلاً للتطبيق سياسياً لسبب واحد محدد. ولا يتطلب الأمر أن يظهر القادة العرب وهم يقفون جنباً إلى جنب مع إسرائيل. كل ما يتطلبه الأمر هو أن يُنظر إليهم على أنهم يقفون في معارضة حازمة لإيران، وهو الموقف الذي يؤيده مواطنوهم بشكل متزايد.
ولذلك يجب على إسرائيل أن تضمن أن دورها في هذه المصفوفة يظل غير مرئي ولكنه لا غنى عنه. وهذا يعني تعميق التكامل الاستخباراتي، وتنسيق شبكات الدفاع الصاروخي بهدوء، وممارسة الضغوط الخاصة على واشنطن لتأمين الممرات المائية الحيوية، وممارسة الصبر الاستراتيجي المطلوب للسماح للشركاء العرب بتعريف التحالف علناً وفقاً لشروطهم الخاصة.

ومع ذلك، هناك خطر كبير يلوح في الأفق حول هذا التحالف الناشئ. وإذا تمكنت إيران من تأمين وقف الأعمال العدائية بشروط تسمح للنظام بإعلان نصر استراتيجي، فإن الحالة النفسية الإقليمية التي تحرك هذا التقارب سوف تتبخر بين عشية وضحاها تقريباً. إن الدول العربية التي أعلنت بجرأة حقها في الدفاع عن النفس تحت تهديد النيران الإيرانية النشطة ستواجه حوافز هائلة للتراجع عن تلك المواقف بهدوء بمجرد توقف إطلاق النار.
إن الجهاز المعقد للإنكار المعقول الذي أمضت الأنظمة الملكية الخليجية عقوداً من الزمن في إتقانه سوف يعيد تأكيد نفسه بسرعة. ورغم أن الاصطفاف الأساسي قد لا يختفي تماما، فإنه سوف يستنزف الزخم المؤسسي الذي وفره الصراع النشط. وفي هذه المنطقة، يستغرق الزخم المؤسسي جيلاً كاملاً لإعادة بنائه بمجرد فقدانه.

ويتعين على صناع القرار السياسي في واشنطن أن يفهموا هذه الحسابات بوضوح تام. إن وقف إطلاق النار الذي يعمل فقط على استعادة التوازن الإقليمي قبل الحرب ليس نتيجة محايدة أو استقرار. إنه انتصار هائل للاستراتيجية الإيرانية المتمثلة في التصعيد العرضي الذي تعقبه إعادة البناء الدبلوماسي.

من المؤكد أن اتفاقيات أبراهام كانت تمتلك أهمية تاريخية حقيقية، لكنها أنتجت في المقام الأول مجموعة من العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية الثنائية بدلاً من إنشاء بنية عسكرية متماسكة. إن ما نتج عن المواجهة مع طهران هو المادة الخام لتحالف أمني حقيقي متعدد الأطراف.

إن هذا التحالف متجذّر في إدراك التهديد المشترك وليس في الطموح الدبلوماسي الساذج. وهذه الحقيقة تستحق أكثر بكثير من أي فرصة لالتقاط الصور في حديقة البيت الأبيض. سيكون فشلاً كارثياً للخيال الاستراتيجي أن نقايض هذا التقارب التاريخي بوقف هش لإطلاق النار يسمح ببساطة للجمهورية الإسلامية بإعادة تحميل أسلحتها.

الكاتب زميل في منتدى الشرق الأوسط، ومحلل سياسي وكاتب مقيم في المغرب. تابعوه على X: @amineayoubx



Source link

صلاح الحيدري

يُعدّ صلاح الحيدري أحد أبرز الأسماء في مجال الصحافة الرقمية والإعلام الإخباري في العالم العربي. بفضل خبرته الطويلة في العمل الصحفي وإدارته لفرق تحرير متعددة، استطاع أن يرسّخ مكانته كأحد القيادات التحريرية التي تجمع بين المهنية العالية والرؤية الإعلامية الحديثة. يشغل صلاح الحيدري منصب رئيس التحرير في هذا الموقع الإخباري، حيث يشرف على السياسة التحريرية العامة ويقود فريقًا من الصحفيين والمحررين لضمان تقديم محتوى إخباري موثوق ودقيق للجمهور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى