العـــرب والعالــم

سوريا تتقدم في المؤشر العالمي لحرية الصحافة لعام 2026

دمشق – يشكل صعود سوريا في المؤشر العالمي لحرية الصحافة لعام 2026 تطوراً إحصائياً كبيراً، لكنه لا يعكس في حد ذاته تحولاً جوهرياً في الحرية الفعلية للصحافة. وانتقلت الدولة من المركز 177 في عام 2025 إلى المركز 141 من بين 180 دولة، وهي قفزة قدرها 36 مركزًا في عام واحد وواحدة من أكبر التحسينات على مستوى العالم.

لمزيد من القصص من The Media Line، انتقل إلى themedialine.org

وعلى الرغم من حجم هذا التحسن، لا تزال سوريا قريبة من أسفل الترتيب العالمي. ولا تزال تتميز ببيئة إعلامية هشة للغاية، حيث تشكل الاعتبارات الأمنية والسياسية والقانونية الممارسة الصحفية. وبالتالي فإن تصنيف الفهرس الخاص به يكون أكثر أهمية عند قراءته في سياقه الأوسع وليس كتغيير رقمي وحده.

على مدى السنوات الـ 14 الماضية، وخاصة منذ اندلاع الصراع في عام 2011، شهدت وسائل الإعلام السورية انهيارًا شبه كامل للبنية التحتية الصحفية التقليدية. وقد صاحب ذلك عائق كبير أمام التغطية الميدانية المستقلة، مما حول سوريا إلى واحدة من أكثر البيئات تعقيدًا وخطورة بالنسبة للصحفيين.

وتشير تقديرات لجنة حماية الصحفيين إلى أن أكثر من 130 صحفياً قُتلوا لأسباب تتعلق مباشرة بعملهم، في حين تقدر منظمة مراسلون بلا حدود العدد الإجمالي بنحو 300 حالة وفاة عندما يتم تضمين فئات أوسع من العاملين في مجال الإعلام.

وفيما يتعلق بالاعتقالات والاختفاء القسري، توثق بيانات رابطة الصحفيين السوريين أكثر من 450 حالة بين عامي 2011 و2024، ما يعكس حجم الانتهاكات التي تعرض لها الصحفيون وشيوع القضايا التي لم يتم حلها بسبب صعوبة الحصول على معلومات دقيقة داخل البلاد.

نشطاء يعرضون لافتات وصورًا للصحفية الألمانية إيفا ميشيلمان، المفقودة في سوريا منذ منتصف يناير 2026، مع زميلها التركي أحمد بولاد، خارج مبنى Bundespressekonferenz في برلين في 25 مارس 2026. (Credit: John MACDOUGALL / AFP via Getty Images)

وقد أدى هذا التحول إلى إعادة تشكيل وسائل الإعلام السورية إلى مشهد مجزأ، مقسم بين وسائل الإعلام التي تديرها الدولة، ووسائل الإعلام الإقليمية العاملة في مناطق مختلفة، والمنظمات العاملة من الخارج. ومع تصاعد الصراع، اضطر العديد من الصحفيين إلى مغادرة البلاد، مما أدى إلى ظهور شبكات إعلامية في المنفى لعبت دورًا مهمًا في تغطية الأحداث، لكنها ظلت منفصلة عن التقارير الميدانية داخل سوريا.

داخل البلاد، واجه الصحفيون قيودًا متعددة، بدءًا من المخاطر الأمنية المباشرة إلى القيود القانونية ومحدودية الوصول إلى المعلومات. ونتيجة لذلك، تتم الممارسة الصحفية في ظل أشكال غير مباشرة ومتعددة الطبقات من الرقابة.

تقليل المخاطر التي يتعرض لها الصحفيون

ويرتبط التحسن المسجل في تقرير 2026 بعدة عوامل، أبرزها تراجع حدة العمليات العسكرية مقارنة بسنوات الذروة بين عامي 2012 و2018. وساعد ذلك في تقليل المخاطر المباشرة التي يواجهها الصحفيون أثناء التغطية الميدانية، فيما سجل التقرير أيضا تحسنا نسبيا في بعض الفئات، لا سيما تلك المتعلقة بالسلامة الجسدية، رغم أنها لا تزال عند مستويات عالمية منخفضة.

ولعب التحول الرقمي أيضًا دورًا مهمًا في إعادة تشكيل المشهد الإعلامي. لقد خلقت المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي المزيد من الفرص لنشر وتبادل المعلومات، خاصة للصحفيين المستقلين أو العاملين خارج البلاد، على الرغم من أنها أدخلت أيضًا تحديات تتعلق بالمصداقية وانتشار التقارير التي لم يتم التحقق منها.

وفيما يتعلق بدور الدولة، تشير البيانات المتوفرة إلى الجهود المستمرة في السنوات الأخيرة لإعادة تشكيل قطاع الإعلام. ويشمل ذلك تحديثات لبعض القوانين التي تحكم الصحافة، وتغييرات في المؤسسات الإعلامية الحكومية، وخطاب عام أكثر انفتاحًا إلى حد ما مما كان عليه في السنوات الأولى للصراع. ومع ذلك، وبحسب مراسلون بلا حدود، فإن هذه الخطوات لم ترقى إلى مستوى تحسن جوهري في حرية الصحافة

ولا تزال القوانين التي تقيد حرية التعبير سارية، ولا يزال الوصول إلى المعلومات يخضع لقيود مؤسسية وإدارية، لا سيما فيما يتعلق بالمسائل السياسية أو الأمنية الحساسة. ويظل عدم استقلال وسائل الإعلام عن السلطة التنفيذية أحد العوائق الرئيسية أمام تطوير وسائل الإعلام الحرة في سوريا.

اختلفت ردود الفعل الرسمية والمهنية على التصنيف الجديد. وقالت وزارة الإعلام السورية إن التحسن هو نتيجة مباشرة للإجراءات الجديدة ويمثل إنجازا في تعزيز المهنية والانفتاح الإعلامي.

ووصف اتحاد الصحفيين السوريين هذا التصنيف بأنه يفوق الأرقام، ووصفه بأنه تتويج لجهود المؤسسات الإعلامية والصحفيين، ودليل على تحسن أداء الإعلام الوطني واستعادة دوره السابق.

في المقابل، قدمت رابطة الصحفيين السوريين تفسيرا أكثر حذرا، قائلة إن التحسن لا يزال محدودا ولا يعكس تحولا جوهريا في حرية الصحافة، في ظل التحديات والانتهاكات المستمرة.

وقال الصحفي السوري المستقل رائد الخطيب، الذي يعمل داخل البلاد، لـ”ميديا ​​لاين” إن “التحسن في المؤشر يعكس واقعاً أقل خطورة مقارنة بالسنوات الأولى للصراع، لكن هذا لا يعني أن الصحافة تعمل بحرية”.

وأضاف: “يواجه الصحفيون اليوم قيودًا غير مباشرة، تبدأ بصعوبة الوصول إلى المعلومات وتمتد إلى الرقابة الذاتية التي فرضتها سنوات الحرب”. وأشار إلى أن “المخاطر لم تختف، لكنها تغيرت في طبيعتها – من التهديدات العسكرية المباشرة إلى ضغوط قانونية ومهنية أكثر تعقيدا”.

وقال الصحافي الأردني خضر ملكاوي لـ”ميديا ​​لاين” إن “التحسن في التصنيف العالمي يجب أن يُفسر بحذر، لأنه يرتبط في المقام الأول بالحد من العنف وليس بالتحسن الشامل في حرية الإعلام”، موضحا أن “المؤشرات الدولية غالبا ما تعكس التغيرات الأمنية أكثر من التغيرات الهيكلية في أنظمة الإعلام”.

وقدمت الصحفية ابتسام درويش، التي تعمل مع مؤسسة إعلامية سورية تابعة للدولة، وجهة نظر أكثر تحليلاً، قائلة إن “المؤشر يعتمد على أربع ركائز رئيسية: السياق السياسي، والإطار القانوني، والبيئة الاقتصادية، والوضع الأمني”.

وقال درويش: “في الحالة السورية، لعب العامل الأمني ​​دوراً حاسماً في تحسين الترتيب، فيما لا تزال الركائز الأخرى تعاني من اختلالات عميقة، خاصة فيما يتعلق بالاستقلال والتعددية”.

وعلى الرغم من التحسن النسبي في التصنيف، إلا أن واقع الصحافة في سوريا لا يزال محددًا بالتناقض. هناك مجال أكبر للنشر الرقمي وخطر مباشر أقل في بعض المناطق مقارنة بسنوات ذروة الحرب، لكن البيئة القانونية والمؤسسية لا تزال لا تدعم حرية الصحافة الحقيقية.

ويؤثر الانقسام المستمر بين وسائل الإعلام المحلية والأجنبية أيضًا على عمق التغطية وتنوعها ومصداقيتها. وبالتالي فإن صعود سوريا في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 يعد تحولًا إحصائيًا حقيقيًا، ولكنه محدود فيما يتعلق بما يقوله عن التغيير الهيكلي في المشهد الإعلامي في البلاد.



Source link

صلاح الحيدري

يُعدّ صلاح الحيدري أحد أبرز الأسماء في مجال الصحافة الرقمية والإعلام الإخباري في العالم العربي. بفضل خبرته الطويلة في العمل الصحفي وإدارته لفرق تحرير متعددة، استطاع أن يرسّخ مكانته كأحد القيادات التحريرية التي تجمع بين المهنية العالية والرؤية الإعلامية الحديثة. يشغل صلاح الحيدري منصب رئيس التحرير في هذا الموقع الإخباري، حيث يشرف على السياسة التحريرية العامة ويقود فريقًا من الصحفيين والمحررين لضمان تقديم محتوى إخباري موثوق ودقيق للجمهور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى