الدرس المستفاد من قطر: كيف تمتلك الدول الصغيرة قوة هائلة في عالم متصل
عندما يتحدث الناس عن مراكز القوى في العالم، فإنهم يفكرون على الفور في الولايات المتحدة، أو الصين، أو روسيا، أو الاتحاد الأوروبي.
قد يبدو أن القوى العظمى وحدها هي القادرة على التأثير في التطورات الدولية، وصياغة الأجندة العالمية، والتأثير على الأمم والدول. لكن واقع القرن الحادي والعشرين يظهر أن الحجم ليس هو المهم دائمًا. في بعض الأحيان، تكون الدول الصغيرة على وجه التحديد هي التي تتمكن من ممارسة نفوذ يتجاوز حجم سكانها، أو منطقتها الجغرافية، أو قوتها العسكرية.
يمنح النظام الدولي الدول الصغيرة ميزة كبيرة. وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة، تتمتع الدول التي لا يتجاوز عدد سكانها عشرات أو مئات الآلاف من السكان بصوت واحد، تماماً مثل الولايات المتحدة أو الصين أو الهند.
ورغم أن القوى العظمى تتمتع بوضوح بنفوذ أعظم على الواقع السياسي، فإن مبدأ المساواة في السيادة يمنح الدول الصغيرة قوة دبلوماسية لا ينبغي لنا أن نتجاهلها. في عالم حيث كل صوت يمكن أن يحدث فرقا في بعض الأحيان، حتى دولة صغيرة يمكن أن يكون لها تأثير كبير.
في عصر العولمة، دخلت إلى الساحة أدوات نفوذ جديدة. في الماضي، كانت قوة أي دولة تقاس بعدد الدبابات والطائرات والجنود الموجودة تحت تصرفها. واليوم، يمكن ممارسة التأثير أيضًا من خلال رأس المال، والتكنولوجيا، ووسائل الإعلام، والشبكات الاجتماعية، والقدرة على تشكيل الوعي العام. لقد أصبحت القوة الناعمة رصيداً استراتيجياً لا تقل أهميته عن القوة العسكرية.
وسنغافورة هي أحد أوضح الأمثلة على ذلك. أصبحت دولة صغيرة لا تملك موارد طبيعية مركزًا ماليًا دوليًا ومركزًا للنفوذ الاقتصادي العالمي. وتمكنت إسرائيل أيضا، على الرغم من صغر حجمها، من ترسيخ نفسها كقوة دافعة للإبداع والأمن السيبراني والطب والزراعة، مع وجود نفوذ ملموس خارج حدودها.
ولكن ليس كل التأثير يستخدم لأغراض إيجابية. فإلى جانب الدول الصغيرة التي تعمل على تعزيز التعاون والتنمية والابتكار، تستخدم بعض الدول قوتها الاقتصادية والدبلوماسية لتعزيز الإيديولوجيات الإسلامية المتطرفة، والتأثير على الرأي العام، وصياغة الخطاب السياسي.
كيف تمكنت قطر من بناء مكانة دولية تفوق حجمها بكثير؟
ولعل قطر هي المثال الأبرز على هذه الظاهرة. وهي دولة صغيرة من حيث المساحة وعدد السكان، ولكنها تمتلك ثروات هائلة من موارد الغاز والنفط. على مر السنين، تمكنت قطر من بناء مكانة دولية تفوق حجمها بكثير. فهي تستضيف مؤتمرات دولية، وتحافظ على علاقات مع القادة في جميع أنحاء العالم، وفي بعض الأحيان تعمل كوسيط في الصراعات الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، تزايدت الانتقادات لدورها في تعزيز الحركات الإسلامية المتطرفة. لسنوات عديدة، قدمت قطر الدعم السياسي والإعلامي والمالي للجماعات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، التي أصبحت أحد المصادر المركزية للإلهام للإسلام الراديكالي.
وحماس، التي تعتبر نفسها الفرع الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين، انبثقت أيضاً من هذه النظرة العالمية.
لسنوات عديدة، عمل قادة حماس من الدوحة، عاصمة قطر، متمتعين بحرية الحركة والشرعية الدبلوماسية. وفي الوقت نفسه، تم تحويل مليارات الدولارات إلى قطاع غزة تحت عنوان المساعدات المدنية والإنسانية.
وسمحت هذه الأموال لحماس بتحويل الموارد نحو بناء بنية تحتية إرهابية قاتلة، وحفر مئات الكيلومترات من الأنفاق، وشراء الأسلحة، والقيام بالاستعدادات التي أدت في النهاية إلى أحداث 7 أكتوبر المؤلمة.
ولا يقتصر نفوذ قطر على منطقة الشرق الأوسط. ووفقا لتقارير مختلفة في الولايات المتحدة، تم تحويل مبالغ ضخمة على مر السنين إلى الجامعات الرائدة، ومعاهد البحوث، والمراكز الأكاديمية. تم استخدام بعض هذه الأموال في أنشطة خيرية مشروعة، وكان الهدف من البعض الآخر التأثير على الخطاب الأكاديمي، وتعيين الباحثين، وتشكيل الروايات المعادية لإسرائيل والمعادية للسامية ضد إسرائيل.
بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، عندما أصبحت الجامعات الرائدة في الولايات المتحدة ساحات لمظاهرات قاسية مناهضة لإسرائيل، عادت الأسئلة إلى الظهور حول تأثير الأموال الأجنبية على المناخ الأكاديمي وتطور المواقف العدائية تجاه إسرائيل.
كما استثمرت قطر موارد هائلة في الساحة الإعلامية الدولية. ومن خلال المنظمات الإعلامية، والحملات العامة، ومنصات الاتصال عبر الحدود، تمكنت من التأثير على الخطاب العام العالمي والطريقة التي يُنظر بها إلى الصراعات في الشرق الأوسط.
وهذا مثال واضح على الكيفية التي يمكن بها ممارسة النفوذ اليوم ليس من خلال القوة العسكرية فحسب، بل وأيضاً من خلال تشكيل الوعي.
والدول الصغيرة مهمة أيضاً
وفي المقابل، من الممكن أيضاً استخدام قوة الدول الصغيرة لأغراض إيجابية. ويمكن العثور على مثال على ذلك بين الدول الجزرية في المحيط الهادئ، بما في ذلك ناورو وكيريباتي وجزر مارشال وفيجي. وعلى الرغم من أن هذه الدول صغيرة من حيث عدد السكان والمساحة، إلا أنها أدركت أنها من خلال التنسيق والتعاون يمكنها زيادة نفوذها على الساحة الدولية.
وفي المنتديات الدولية، وخاصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، كثيراً ما تقوم دول المحيط الهادئ بتنسيق المواقف وتنظيم عمليات التصويت المشتركة. ولكل منها صوت واحد فقط، ولكن عندما تعمل عدة دول معًا، فإنها تخلق قوة دبلوماسية كبيرة.
وعلى مر السنين، برزت هذه الدول لدعمها المستمر لإسرائيل ومعارضتها للقرارات الأحادية الجانب وغير المتوازنة ضدها. لقد أثبتوا أن الدول الصغيرة قادرة على التصرف من منطلق الولاء لمبادئ العدالة والشراكة والصداقة طويلة الأمد. وكانت ناورو من أوائل الدول بعد الولايات المتحدة التي اعترفت بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل.
ويوضح مثال دول المحيط الهادئ وجهي الدبلوماسية الحديثة. فمن ناحية، تستطيع الدول الصغيرة استخدام قوتها الاقتصادية والإعلامية للترويج للإيديولوجيات المتطرفة، والتأثير على الرأي العام، وخدمة المصالح السياسية. ومن ناحية أخرى، يمكنهم أن يكونوا بمثابة صوت أخلاقي وجسر بين الشعوب وشريك في تعزيز الاستقرار والتعاون الدولي.
ومن تجربتي كقنصل فخري لناورو وفي الساحة الدبلوماسية، تعلمت أنه خلف كواليس العلاقات الدولية، تجري محادثات ويتم اتخاذ قرارات لا تتصدر عناوين الأخبار.
وفي بعض الأحيان، يمكن لعلاقة الثقة والتعاون الشخصية التي بنيت على مدى سنوات عديدة أن يكون لها تأثير أكبر من تأثير الخطابات التي تُلقى في قاعات الأمم المتحدة.
إن الدرس الرئيسي المستفاد من القرن الحادي والعشرين واضح: فالقوة لم تعد تقاس فقط بحجم أراضي الدولة، أو عدد جنودها، أو قوة اقتصادها. ويقاس أيضًا بالقدرة على التأثير على الأفكار والمؤسسات ووسائل الإعلام ووعي الملايين من الناس.
إن الدبلوماسية الهادئة التي تنتهجها الدول الصغيرة من الممكن أن تشكل قوة بناءة لتحقيق السلام والرخاء، ولكنها من الممكن أيضاً أن تكون أداة لترويج إيديولوجيات خطيرة. ومن الممكن أن تلعب الدول الصغيرة أيضاً دوراً مهماً في صياغة الأجندة العالمية، للأفضل أو للأسوأ.
المؤلف هو الرئيس التنفيذي لراديو 100FM، والقنصل الفخري ونائب عميد السلك الدبلوماسي القنصلي، ورئيس جمعية الاتصالات الراديوية الإسرائيلية، ومراقب سابق لراديو الجيش ومراسل تلفزيون NBC.