العـــرب والعالــم

إن المعايير المزدوجة التي تتبعها فرنسا في التعامل مع إسرائيل تشكل خيانة للقيم الأخلاقية

إن السياسة التي انتهجتها فرنسا في السنوات الأخيرة، وخاصة منذ صعود إيمانويل ماكرون، لا ترقى إلى أقل من خيانة للقيم الأخلاقية. ووراء اللغة المصقولة بشأن حقوق الإنسان، والدبلوماسية، والتوازن تكمن حقيقة مزعجة تتمثل في النفاق، والضعف الأخلاقي، بل وحتى العداء الصريح تجاه إسرائيل وحلفائها.

إن دعوة ماكرون لوقف الحرب ضد إيران ليست مضللة فحسب؛ إنه منفصل تمامًا عن الواقع. وبينما تستمر إيران في تعزيز الإرهاب الإقليمي، وتمويل وكلائها، والإعلان صراحة عن طموحها لتدمير إسرائيل، يختار الرئيس الفرنسي الإشارة بإصبع الاتهام إلى أولئك الذين يدافعون عن أنفسهم. هذه ليست وساطة. إنه الاستسلام الأخلاقي.

وتزداد السخافة حدة عندما تمنع فرنسا المنفيين الإيرانيين من الاحتجاج ضد النظام الذي فروا منه. إن الدولة التي تقدم نفسها كمنارة للحرية تعمل بشكل فعال على إسكات ضحايا القمع. وهذا ليس خطأ معزولا، بل سياسة تهدف إلى إضعاف أولئك الذين يقاومون الاستبداد، بينما تسهل الطريق أمام أولئك الذين يفرضونه.

لقد كشف رد فرنسا على هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول التي شنتها حماس على إسرائيل عن وجهها الحقيقي. فبدلاً من الإدانة الواضحة والصريحة للمذبحة المروعة التي ارتكبت ضد المدنيين، سمع العالم لغة مترددة، تبدو متوازنة ظاهرياً ولكنها في الواقع تطمس الخط الفاصل بين الإرهاب والدفاع عن النفس. وهذا ليس فشلا دبلوماسيا. إنها مسألة أخلاقية.

وكأن هذا لم يكن كافيا، تواصل فرنسا الضغوط على إسرائيل لحملها على وقف عملياتها ضد حزب الله في لبنان، المنظمة الإرهابية المسلحة التي تدعمها إيران. وهذا الطلب ليس أكثر من محاولة لتقييد أيدي إسرائيل وترك مواطنيها عرضة للتهديدات المستمرة. بمعنى آخر، فرنسا تطلب من إسرائيل أن تدفع ثمن «رصيدها» من دماء مواطنيها.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. (رسم توضيحي) (مصدر الصورة: ثائر السوداني/رويترز/مارك إسرائيل سيليم/ذا جيروزاليم بوست/رويترز/ستيفان ماهي)

لقد اختارت فرنسا الراحة وتجنب العدالة على المكانة الأخلاقية

ولا تقتصر المشكلة على السياسة الحالية. إنها أعمق، ومتجذرة في نمط تاريخي. خلال الحرب العالمية الثانية، وفي ظل نظام فيشي، اختارت فرنسا التعاون مع الشر بدلاً من محاربته. تم إرسال اليهود إلى معسكرات الموت ليس فقط من قبل النازيين ولكن أيضًا بمساعدة المؤسسات الفرنسية. لقد كانت خيانة للقيم ذاتها التي ادعت فرنسا أنها تتمسك بها.

التشابه مع الأحداث الماضية أمر مقلق. وآنذاك، كما هي الحال الآن، اختارت فرنسا الراحة وتجنب العدالة على الموقف الأخلاقي الواضح. ثم، كما هو الحال الآن، فضلت أن تنظر بعيدا. لقد اختارت فرنسا التسامح مع الإسلام المتطرف الذي يسيطر على مناطق بأكملها حيث تتردد قوات إنفاذ القانون في دخولها وحيث تفرض الشخصيات الدينية تفسيرات محلية للشريعة الإسلامية.

وحتى في علاقاتها مع إسرائيل على مر السنين، لم يكن هناك نقص في الخيانة. إن حظر الأسلحة قبل حرب الأيام الستة عام 1967، والمواقف الأحادية الجانب في المحافل الدولية، والميل المستمر إلى إلقاء اللوم على إسرائيل في كل تصعيد، ليست من قبيل الصدفة. إنها جزء من نمط ثابت من الابتعاد عن القيم الديمقراطية عندما يتعلق الأمر بالدولة اليهودية.

إن موقف فرنسا المناهض لأميركا لا يؤدي إلا إلى تفاقم الوضع. فبدلاً من الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة والغرب ضد التهديدات العالمية، تختار باريس مراراً وتكراراً تمييز نفسها، أحياناً بسبب الغطرسة، وأحياناً بسبب مصالح سياسية ضيقة. وفي عالم يتسم بالإرهاب العابر للحدود، يشكل هذا الانقسام هدية للأعداء.

إن الادعاء بأن فرنسا تسعى إلى العمل كوسيط وصوت متوازن في الساحة الدولية المضطربة لا يصمد أمام التدقيق. ولا يوجد توازن بين الإرهاب والديمقراطية. ولا يمكن لفرنسا أن تكون وسيطاً عندما يتلقى أحد الطرفين التفاهم ويتلقى الآخر النقد المستمر. وهذا ليس أقل من تشويه أخلاقي.

لقد فقدت فرنسا في عهد ماكرون بوصلتها الأخلاقية. فهو يتحدث عن حقوق الإنسان ويقيد حرية التعبير. إنه يتحدث عن السلام بينما يدين أولئك الذين يحاربون الإرهاب. يتحدث عن العدالة بينما يتجاهل المعتدي.

إن مثل هذه السياسة لا تضر إسرائيل فحسب، بل فرنسا نفسها. فهو يقوض مصداقيتها، ويضعف مكانتها الدولية، ويبعدها عن حلفائها الطبيعيين. والأسوأ من ذلك أنه يبعث برسالة خطيرة مفادها أن الغرب ليس متحداً ضد تهديدات الإرهاب.

لقد علمنا التاريخ أن الضعف في مواجهة الشر لا يؤدي إلى السلام بل إلى الكارثة. لقد كانت فرنسا هناك من قبل ودفعت ثمنا باهظا. والسؤال هو هل استوعبت الدرس أم أنها تكرره، هذه المرة تحت ستار الدبلوماسية.

المؤلف هو الرئيس التنفيذي لراديو 100FM، والقنصل الفخري ونائب عميد السلك الدبلوماسي القنصلي، ورئيس جمعية الاتصالات الراديوية الإسرائيلية، ومراسل سابق لقناة NBC News وGalei Tzahal.



Source link

صلاح الحيدري

يُعدّ صلاح الحيدري أحد أبرز الأسماء في مجال الصحافة الرقمية والإعلام الإخباري في العالم العربي. بفضل خبرته الطويلة في العمل الصحفي وإدارته لفرق تحرير متعددة، استطاع أن يرسّخ مكانته كأحد القيادات التحريرية التي تجمع بين المهنية العالية والرؤية الإعلامية الحديثة. يشغل صلاح الحيدري منصب رئيس التحرير في هذا الموقع الإخباري، حيث يشرف على السياسة التحريرية العامة ويقود فريقًا من الصحفيين والمحررين لضمان تقديم محتوى إخباري موثوق ودقيق للجمهور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى