تقـاريـر يمنيــــة

فرنسا: أمة مبنية على القيم وليس الشعارات..

جمال العوضي*

تعكس كلمات وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز واحدة من أعمق نقاط القوة التي تتمتع بها الجمهورية الفرنسية:

“اليوم، نصف المسلمين في فرنسا ولدوا هنا، وثلاثة أرباعهم فرنسيون. همومهم وتطلعاتهم فرنسية، ومكانهم هنا”.

وهذا البيان يذهب إلى ما هو أبعد من الخطاب السياسي. فهو يؤكد من جديد على مبدأ أساسي من مبادئ الجمهورية الفرنسية: ألا وهو أن المواطنة لا يتم تحديدها حسب الأصل أو الدين أو اسم العائلة، بل من خلال الالتزام المشترك بقيم الجمهورية.

فرنسا ليست دولة مبنية على الشعارات. إنها أمة شكلتها القيم الإنسانية العالمية التي ألهمت الأجيال في جميع أنحاء العالم – الحرية والمساواة والأخوة. هذه ليست مجرد كلمات محفورة على المباني العامة؛ فهي تمثل عقداً اجتماعياً حياً يضمن لكل فرد مكاناً في المجتمع من خلال احترام سيادة القانون ومؤسسات الجمهورية.

لعقود من الزمن، اختار ملايين الأشخاص من جميع أنحاء العالم فرنسا موطنًا لهم. لقد عملوا وساهموا في ازدهارها، وقاموا بتربية أبنائهم ضمن نظامها التعليمي، وأصبحوا جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. وقد أصبح العديد منهم فرنسيين بالكامل، ليس لأنهم تخلوا عن تراثهم، بل لأنهم اعتنقوا القيم المدنية المشتركة التي توحد الأمة.

وتظل فرنسا واحدة من الأمثلة الرائدة في العالم على التكامل المدني الناجح. وتكمن قوتها في اقتناعها بأن ما يوحد المواطنين من خلال القيم المشتركة أعظم بكثير مما قد يميزهم من خلال الثقافة أو اللغة أو الأصل. ولا يُنظر إلى التنوع باعتباره مصدراً للانقسام، بل باعتباره مصدراً للإثراء عندما يكون مصحوباً باحترام المبادئ الجمهورية، والعلمانية، وسيادة القانون، والاحترام المتبادل.

اليوم، لم يعد كونك فرنسيًا محددًا فقط بالنسب. ويعني أيضًا اعتناق المواطنة والمساواة في الحقوق والمسؤوليات والعدالة والمؤسسات الديمقراطية والمصير المشترك للجمهورية.

تسلط رسالة لوران نونيز الضوء على حقيقة لا يمكن إنكارها: أن المسلمين في فرنسا – الذين ولد معظمهم في البلاد والأغلبية الساحقة منهم مواطنون فرنسيون – يشكلون جزءًا لا يتجزأ من المجتمع الوطني. إن تطلعاتهم واهتماماتهم ومستقبلهم لا يمكن فصلها عن مستقبل فرنسا نفسها.

وفي وقت حيث تواجه العديد من المجتمعات استقطابا متزايدا وتوترات قائمة على الهوية، تواصل الجمهورية الفرنسية التمسك بنموذج يقوم على المواطنة المتساوية، وتكافؤ الفرص، والحماية المتساوية بموجب القانون، في حين تتوقع من كل مواطن أن يتقاسم نفس المسؤوليات تجاه المجتمع.

هذه هي القوة الحقيقية لفرنسا. إنها ليست مجرد دولة ذات خطاب قوي، ولكنها أمة تسعى جاهدة لتجسيد المبادئ الدائمة للحرية والمساواة والأخوة في مؤسساتها وحياتها اليومية. لقد جعلت هذه القيم من فرنسا مرجعا عالميا للكرامة الإنسانية والتسامح والتعايش السلمي والتكامل المدني، مما يدل على أن الوحدة لا تقوم على التماثل، بل على القيم الجمهورية المشتركة.

*جمال العوضي: صحفي يمني يقيم في باريس

Source link

صلاح الحيدري

يُعدّ صلاح الحيدري أحد أبرز الأسماء في مجال الصحافة الرقمية والإعلام الإخباري في العالم العربي. بفضل خبرته الطويلة في العمل الصحفي وإدارته لفرق تحرير متعددة، استطاع أن يرسّخ مكانته كأحد القيادات التحريرية التي تجمع بين المهنية العالية والرؤية الإعلامية الحديثة. يشغل صلاح الحيدري منصب رئيس التحرير في هذا الموقع الإخباري، حيث يشرف على السياسة التحريرية العامة ويقود فريقًا من الصحفيين والمحررين لضمان تقديم محتوى إخباري موثوق ودقيق للجمهور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى