العـــرب والعالــم

‘مشروع جريء’: البراغماتية والمبادئ والسلام من خلال الرخاء

نادراً ما تفتقر مصر إلى الأفكار الكبيرة. فمن مصانع الصلب في عهد عبد الناصر إلى المدن الصحراوية في عهد السادات إلى “وادي النيل الثاني” في عهد مبارك، وعد الرؤساء بالتحول على نطاق واسع، ولكن العديد من المخططات أضعفت وظل المصريون العاديون يتساءلون عن الفارق الذي أحدثته هذه المخططات في حياتهم.

مشروع جريء: شراكة أمريكية مصرية وقضية القوة الناعمة يحكي نوعًا مختلفًا جدًا من القصة. فهو يصف بالتفصيل كيف قامت حكومة الولايات المتحدة بإحضار مبادرة رأس المال الاستثماري إلى حيز الوجود، وكيف تم تطويرها، وكيف حققت أخيرًا نجاحًا ملحوظًا حقًا.

تم إدراج ثلاثة مؤلفين على الغلاف: جيمس أ. هارمون، وكورنيليوس كوين، ومارك وارن. ومع ذلك فإن الكتاب ليس من نتاج اللجنة؛ إنها رحلة من منظور الشخص الأول. يتضح من الصفحات الافتتاحية أن السرد يخص هارمون. المؤلفون المشاركون حاضرون في وضوح النثر وبنية السرد، لكن التجارب والشكوك والرضا هي بشكل واضح تجارب هارمون.

يكتب: “تلقيت مكالمة هاتفية من وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في أعقاب ثورة مصر عام 2011”. وكانت مصر تترنح بعد الإطاحة برئيسها حسني مبارك. هل يفكر هارمون في قيادة الجهود لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد المصري؟

كان هارمون مصرفيًا استثماريًا شغل سابقًا منصب رئيس مجلس إدارة بنك التصدير والاستيراد في الولايات المتحدة. والآن أرادت كلينتون تجنب الانهيار السياسي والاقتصادي في مصر. وأعربت عن اعتقادها بأن أفضل طريقة لتحقيق الاستقرار ستكون من خلال الشراكة والاستثمارات الأمريكية.

“وهكذا،” يكتب هارمون، “تحت رعاية الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) ومباركة الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونجرس، أنشأنا صندوق المشاريع المصري الأمريكي: التزام بقيمة 300 مليون دولار من الشعب الأمريكي للمساعدة في بناء قطاع خاص مصري مرن وشامل يمكنه توفير فرص العمل والنمو والاستقرار.”

كانت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، التي أنشأها الرئيس جون كينيدي في عام 1961، الوكالة الحكومية الفيدرالية الأمريكية الرئيسية المسؤولة عن إدارة المساعدات الخارجية المدنية والتنمية الدولية.

لقد حققت المؤسسة نجاحًا رائعًا. واليوم تقدر قيمة أصول الصندوق بما يقرب من ضعف الاعتمادات الأصلية التي أقرها الكونجرس، مع استثمارات في 148 شركة تدعم نحو 60 ألف وظيفة. وبالإضافة إلى ذلك، اجتذبت مصر ما يقدر بنحو 1.7 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية.

إن تصفح الكتاب يعطي إحساسًا واضحًا بما هو على المحك بالنسبة لكلا الجانبين. وبالنسبة للمصريين، فإن هذا هو الأمل في أن توفر المشاركة الأجنبية وظائف ثابتة وفرصة للشركات الصغيرة للنمو. على الجانب الأمريكي، يتعلق الأمر بنوع الوجود الذي يجب أن يكون في دولة ذات أهمية استراتيجية، وحرجة سياسيا، وغالبا ما تكون متشككة بشكل علني في واشنطن. والإجابة التي يقدمها هارمون واقعية: الاستثمار بشكل عادل، وتقاسم المخاطر، وترك سجل ما تم إنجازه يتحدث عن نفسه.

ولا يدعي السرد أن صندوق المشاريع قادر على إعادة تشكيل النظام السياسي أو إزالة عقود من عدم الثقة. والحجة ليست أن رأس المال قادر على حل كل شيء، بل إنه قادر على القيام بأكثر مما حاول القيام به في كثير من الأحيان، إذا تم نشره بصبر وبدرجة من التواضع.

وفي مقابل ذلك تقف أشباح طموحات الماضي لرؤساء مصر ــ مشاريع ضخمة ومكلفة تحركها إلى حد كبير الأنا والرمزية. وخلافًا لهم، يصف صندوق هارمون للأعمال المشاريع من الأسفل إلى الأعلى، شركة واحدة وشراكة واحدة في كل مرة.

مناحيم بيغن، جيمي كارتر، وأنور السادات في كامب ديفيد، 1978. (الائتمان: ويكيميديا ​​​​كومنز)

داخل قصة الاستثمار

جوهر الكتاب يكمن في تلك الشراكات. يأخذ هارمون القارئ عبر حياة الاستثمار: كيف تم تحديد الشركات المحتملة، وكيف تم فحص دفاترها، وكيف تم الحكم على الإدارة، وكيف تكشفت المفاوضات. لا يوجد شيء جاف في هذه المقاطع.

وفي كل مرحلة تتدخل شخصيات معينة ـ المؤسس الذي لا يستطيع أن يتخلى عن نفسه، والمصرفي المحلي الذي لا يثق في الأسهم الأجنبية، والمحامي الأميركي الذي يصر على تدابير الحماية التي تبدو غريبة في السياق المصري. تكمن جاذبية السرد في أن أياً من هذا لم يتم تهذيبه. النجاح، عندما يأتي، يشعر بأنه مكتسب.

يدور موضوع “القوة الناعمة” في الكتاب. ويرى هارمون المشروع على أنه “نموذج لما يمكن أن تكون عليه أمريكا في أفضل حالاتها: براغماتية، وسخية، ومبدئية”.

ما سيذهل العديد من القراء هو مدى معاصرة الكتاب. في عصر حيث “التدخل الأجنبي” غالبا ما يكون مصطلحا مسيئا، وحين تشكك شرائح كبيرة من الرأي العام الأمريكي في قيمة المشاركة في الخارج على الإطلاق، فإن “مشروع جريء” هو وصف لكيفية عمل أداة سياسية مصممة بعناية، وما تم تعلمه في هذه العملية.

في وقت مبكر للغاية من سرده، يعكس هارمون أن “هذه الفكرة ــ أن رأس المال الأميركي، مسترشداً بالقيم الأميركية، قادر على خلق السلام من خلال الرخاء ــ ليست قديمة. بل إنها أكثر أهمية من أي وقت مضى”. وفي ما يلي، يُعطى القارئ سببًا كافيًا لرؤية هذا على أنه أكثر من مجرد شعار. ويوضح تقرير هارمون كيف تم تنفيذ هذه الفكرة في المكاتب وورش العمل والمنازل في جميع أنحاء مصر.

بالنسبة لأي شخص يريد أن يفهم كيف قد يبدو الدور الأمريكي البناء في الشرق الأوسط بعيدًا عن لغة القواعد والقنابل، فإن هذا الكتاب يقدم طريقًا جذابًا وإنسانيًا ومفعمًا بالأمل في نهاية المطاف للمضي قدمًا.

تابع الكاتب على: www.a-mid-east-journal.blogspot.com

مشروع جريء: الشراكة الأمريكية المصرية وقضية القوة الناعمة
بقلم جيمس أ. هارمون وكورنيليوس كوين ومارك وارين
240 صفحة؛ 32 دولارًا



Source link

صلاح الحيدري

يُعدّ صلاح الحيدري أحد أبرز الأسماء في مجال الصحافة الرقمية والإعلام الإخباري في العالم العربي. بفضل خبرته الطويلة في العمل الصحفي وإدارته لفرق تحرير متعددة، استطاع أن يرسّخ مكانته كأحد القيادات التحريرية التي تجمع بين المهنية العالية والرؤية الإعلامية الحديثة. يشغل صلاح الحيدري منصب رئيس التحرير في هذا الموقع الإخباري، حيث يشرف على السياسة التحريرية العامة ويقود فريقًا من الصحفيين والمحررين لضمان تقديم محتوى إخباري موثوق ودقيق للجمهور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى