المشكلة الحقيقية في الشرق الأوسط ليست صواريخ الخليج، بل ترسانة إيران
عاد الجدل حول ترسانة إيران الصاروخية إلى الظهور بعد حجة مفادها أنه من غير العدل أن نطلب من إيران التخلي عن قدراتها الصاروخية بينما تمتلك دول أخرى في المنطقة قدرات مماثلة.
ومع ذلك فإن هذا الخط من التفكير يتجاهل سؤالاً أكثر جوهرية: هل تكمن المشكلة في وجود الصواريخ التي تحتفظ بها دول تسعى إلى الدفاع عن نفسها، أم في الترسانة الهجومية الضخمة التي تم بناؤها على مدار عقود من الزمن والتي تحولت إلى أداة للنفوذ والتهديد الإقليمي؟
وهنا تكمن المفارقة. ولا تتعلق القضية بسباق تسلح متبادل بين جهات فاعلة مماثلة بقدر ما تتعلق بخلل التوازن الاستراتيجي الذي فرض نفسه على المنطقة على مدى عقود من الزمن، وهو الخلل الذي من المتوقع بعد ذلك من جيران إيران أن يتكيفوا معه بدلاً من السعي إلى معالجته أو موازنة توازنه.
لم تقم إيران ببناء برنامج صاروخي ضخم فحسب؛ لقد حولت الصواريخ إلى لغة استراتيجية قائمة بذاتها، واستخدمتها كرادع ووسيلة للضغط ورسالة نفوذ تتجاوز حدودها المباشرة.
في المقابل، على مدى عقود، كان الخليج في الطرف المتلقي، حيث اشترى الدفاع بينما افتقر إلى القدرة على موازنة التهديد الهجومي بشروطه الخاصة.
والمشكلة الأعمق هي أن القوى الكبرى تدير هذه القضية ليس بمنطق العدالة أو التوازن، بل بمنطق التأثير على سلوك الأطراف. يُطلب من الحليف الخليجي دائمًا ممارسة ضبط النفس لأن سلوكه هو الفاعل الذي يمكن التأثير عليه.
فإيران، التي فرضت برنامجها الصاروخي كحقيقة استراتيجية، تتم إدارتها من خلال الاحتواء والتفاوض وإدارة المخاطر وليس من خلال منع القدرة في المقام الأول.
وكشفت الهجمات الإيرانية على دول الخليج خلال حرب عام 2026 عن هذا الخلل في أوضح صوره، وأظهرت أن دول الخليج يمكن أن تصبح أهدافًا مباشرة للضربات الصاروخية حتى عندما لا تكون مهندسة الحرب ولا طرفًا رئيسيًا فيها.
وكانت الإمارات العربية المتحدة المثال الأكثر وضوحا، حيث تعرضت لموجات مكثفة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات بدون طيار. لا تكمن أهمية هذه الهجمات في حجم الذخائر فحسب، بل في الدرس الذي تعلمته: يمكن لدولة خليجية مستقرة ومنفتحة ومندمجة في الاقتصاد العالمي أن تجد نفسها في قلب المواجهة عندما تسعى إيران إلى زيادة تكاليف الحرب التي يتحملها خصومها.
ظهرت هنا حقيقة أعمق. كانت الهجمات أكثر من مجرد حدث عسكري عابر؛ فقد أظهروا أن الاستقرار الاقتصادي والانفتاح العالمي لا يوفران مناعة تلقائية ضد منطق القوة الصاروخية. كما أظهروا أن دولة خليجية، مهما كانت ناجحة في تنميتها أو اندماجها في الاقتصاد العالمي، يمكن أن تصبح هدفا مباشرا عندما تستخدم الصواريخ لفرض تكاليف سياسية أو استراتيجية على الآخرين.
عدم التوازن الاستراتيجي
والأهم من ذلك، أن حرب 2026 لم تظهر حجم التهديد فحسب، بل أظهرت أيضًا حدود الافتراضات التي شكلت الفكر الأمني الإقليمي لعقود من الزمن. كان الاعتقاد السائد منذ فترة طويلة هو أن الشراكات الدولية، والقوة الاقتصادية، والاندماج في النظام العالمي، من الممكن أن تقلل من احتمالات الاستهداف المباشر أو ترفع التكلفة السياسية التي يتحملها المهاجم.
ولكن ما حدث أظهر أن امتلاك الخصم لقدرة هجومية هائلة يظل عاملاً حاسماً يتجاوز العديد من الحسابات السياسية التقليدية. ومن هذا المنطلق، كانت الحرب أكثر من مجرد مواجهة عسكرية أخرى؛ لقد كانت نقطة تحول استراتيجية تؤكد أن الأمن المستدام لا يعتمد على الرخاء وحده، ولا على الشراكات الخارجية وحدها، بل على القدرة على الردع التي ترفع تكلفة العدوان فوق أي مكسب يمكن تصوره.
لكن الدرس المستفاد من الحرب يصل بالحسابات العسكرية الماضية إلى كيفية النظر إلى التهديد نفسه. هذا هو المكان الذي تصبح فيه المعايير المزدوجة في السرد السائد أكثر وضوحًا.
عندما تضرب إيران أو وكلاءها، غالبا ما ينشغل العالم بإدارة التصعيد، وخفض التصعيد، ومنع اندلاع حريق أوسع نطاقا، بدلا من البدء من سؤال أبسط: لماذا يُسمح لترسانة هجومية بهذا الحجم بالتحول إلى سمة إقليمية شبه طبيعية؟
ولماذا يُنتظر من الخليج دائماً أن يكون الطرف الأكثر عقلانية والأقل اندفاعاً، رغم أنه الأكثر تعرضاً للنيران ويتحمل التكلفة الأعلى للدفاع عن نفسه؟
ثم هناك البعد الاقتصادي، وهو أبعد ما يكون عن التفاصيل الثانوية؛ إنه جوهر آخر للمعادلة. وبعد الصدمة العسكرية، تراهن إيران على صيغة استنزاف واضحة: أدوات هجومية رخيصة نسبياً ضد دفاعات باهظة الثمن.
كل موجة هجوم تمثل اختبارًا ليس فقط في السماء، ولكن أيضًا في الميزانيات. ولا تدفع دول الخليج التكلفة الأمنية للتهديد فحسب، بل التكلفة الاقتصادية لردعه المستمر والدفاع عن مدنها وبنيتها التحتية وموانئها ومجالاتها الحيوية.
وبالتالي يصبح الخليج ضامناً قسرياً للاستقرار الإقليمي غير المتوازن، في حين يحتفظ الطرف المهاجم بميزة التكلفة المنخفضة والقدرة الأكبر على تحمل الاستنزاف.
من المؤكد أن دول الخليج تتحمل بعض المسؤولية عن تقدمها البطيء في صياغة عقيدة ردع جماعي أكثر استقلالية وعن اعتمادها المطول على ضامن خارجي. ولكن هذا لا يغير الحقيقة الأساسية المتمثلة في أن الخلل في التوازن الصاروخي لم يكن من فعل الخليج قط ـ بل لقد فرضته إيران على مدى عقود من التراكم العسكري.
إن أي حديث جاد عن الأمن الإقليمي لابد أن ينطلق من مبدأ لا لبس فيه: إما فرض قيود حقيقية موحدة على القدرات الصاروخية الهجومية في المنطقة، وفي المقام الأول على إيران، أو الاعتراف الصريح بحق دول الخليج في بناء الردع الذي يكسر هذا الخلل في التوازن.
ولم تعد المشكلة تكمن في سعي الخليج إلى تحقيق أمنه الخاص، بل في استمرار التعامل مع اختلال التوازن الاستراتيجي المزمن باعتباره أمراً واقعاً يجب التكيف معه.
وأي شيء أقل من ذلك لا يشكل سياسة أمنية إقليمية متوازنة، بل هو إدارة دبلوماسية لاختلال التوازن الاستراتيجي المزمن، الذي يتحمل الخليج تكاليفه الأمنية والاقتصادية بينما يدير الآخرون عواقبه فقط.
الكاتب محلل سياسي إماراتي ومرشح سابق للمجلس الوطني الاتحادي.