العـــرب والعالــم

إن تأكيدات ترامب السخيفة بشأن إسرائيل تتعارض مع الواقع

كانت العناوين الرئيسية في القدس وواشنطن هذا الأسبوع مفتونة بشكل مفهوم بتقارير عن مكالمة هاتفية ساخنة وصف فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأنه “مجنون” بشأن الاستراتيجية الإقليمية.

ومع ذلك، وفي حين ظل الجمهور مذهولاً بالدراما التي تدور خلف الكواليس في مباراة الصراخ الواضحة هذه، فإن العنوان الحقيقي كان مختبئاً على مرأى من الجميع.

في مقابلة مع نيويورك بوستوسرعان ما أكد ترامب المكالمة الهاتفية، مشيراً عرضاً إلى أنه أبلغ نتنياهو بأنه سيبقيه خارج السجن، قبل أن يصدر إعلاناً تاريخياً شاملاً: “إذا لم أكن هناك، فلن تكون هناك إسرائيل”.

وإذا كان ترامب يتدخل بالفعل في النظام القضائي وفي قدرة إسرائيل على إجراء محاكمات وتحقيقات عادلة، فهذه مسألة في حد ذاتها، لكن التصريح الأخير غير مقبول على الإطلاق.

إن الاستماع إلى الرئيس الأمريكي وهو في منصبه وهو يدعي أنه هو صاحب التأليف المطلق لبقاء ووجود الدولة اليهودية هو أمر مثير للإعجاب.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث إلى الصحافة لدى مغادرته البيت الأبيض في واشنطن في مايو. (الائتمان: كيفين ديتش / صور غيتي)

من الجنون أن نقول هذا، خاصة عندما نقارنه بالواقع القاسي بينما يشتعل شمال إسرائيل. ولا يزال عشرات الآلاف من السكان نازحين من منازلهم، وتواجه المجتمعات المحلية على طول الحدود عمليات قصف يومية.

ويتناقض ادعاء ترامب مع السياسة الأمريكية

إن التأكيد على أن إسرائيل تدين باستمرار وجودها لزعيم أميركي واحد ليس معيباً فحسب، بل إنه يتناقض مع سياسات المعاملات والتقييد التي تطبقها إدارة ترامب.

وفي الوقت الحالي، تعمل واشنطن من جانب واحد على ربط إسرائيل بإطار مقيد للغاية لوقف إطلاق النار، وإدارة الحدود العملياتية للجيش الإسرائيلي بشكل دقيق. والأمر الأكثر وضوحاً هو أن البيت الأبيض تدخل مراراً وتكراراً لإلغاء العمليات العسكرية الحاسمة في بيروت أو الحد منها بشدة.

بعد ساعات من إعلان وزير الدفاع إسرائيل كاتس ونتنياهو توسيع العمليات ضد حزب الله في بيروت، رفع ترامب الهاتف وألغاه للحفاظ على اتفاقات وقف إطلاق النار الهشة في لبنان وإيران. فمن خلال تقييد أيدي القدس في الشمال تحت ستار الاستقرار الإقليمي، تجبر الإدارة إسرائيل على قبول الوضع الراهن المتقلب.

إن تقييد حق إسرائيل السيادي في الدفاع عن النفس بشكل عدواني، بينما تدعي في الوقت نفسه أنها الضامن الوحيد لحياتها، يشكل مفارقة لا يمكن التوفيق بينها.

إن سياسة الاحتواء هذه تعمل على تقويض قدرة الردع الإسرائيلية على المدى الطويل. إن وقف إطلاق النار الذي يترك قدرات حزب الله سليمة جزئياً في لبنان هو ببساطة بمثابة تأخير في الطريق، ويضمن صراعاً أكثر دموية في المستقبل. ومن خلال إعطاء الأولوية للهدوء الفوري قصير الأمد على حساب النصر الحاسم طويل الأمد، فإن البيت الأبيض يعرض أمن حدود إسرائيل للخطر.

إرث ترامب كصديق لإسرائيل

من المهم أن نلاحظ أن ترامب قد بنى إرثًا كصديق مؤثر للغاية للدولة اليهودية.

خلال فترة ولايته الأولى، حطمت إدارته عقودا من الجمود الدبلوماسي من خلال الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية، وإقرار السيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، وتنظيم اتفاقيات أبراهام التحويلية.

فضلاً عن ذلك فإن الضغوط الدبلوماسية القاسية التي مارستها إدارته مؤخراً كانت مفيدة في كسر الجمود أخيراً فيما يتصل بإعادة الرهائن الإسرائيليين إلى ديارهم من أنفاق غزة، وهو ما كان بمثابة إنجاز هائل جلب ارتياحاً عميقاً لأمة مكلومة. هذه انتصارات تاريخية لن ينساها الجمهور الإسرائيلي أبدا، وهي انتصارات لا يمكن أن يحققها سواه.

ومع ذلك، لا يمكن تعريف الصداقة الحقيقية بالتملق الأعمى أو الخضوع الكامل للفخر الوطني. إن الأخطاء الفادحة التي يرتكبها حليف حاسم تستدعي كلمات قاسية وواضحة بنفس القدر من القدس. إن العلاقة المبنية بالكامل على أهواء الفرد، بدلاً من القيم الديمقراطية المشتركة والمصالح الإستراتيجية المتبادلة، هي علاقة غير مستقرة بطبيعتها.

فحين يقلل رئيس أميركي من معجزة بقاء الدولة اليهودية في مجرد خدمة شخصية، فإنه يطالب القيادة الإسرائيلية برفض فوري ومبدئي.

إسرائيل ليست دولة عميلة، كما أن وجودها ليس سلعة أو معروفا تمنحه واشنطن.

لقد تشكلت دولة إسرائيل الحديثة من خلال دموع الرواد، ورماد المحرقة، ودماء أجيال من الجنود الشجعان الذين خاضوا حروباً معجزة من أجل البقاء بمفردهم. وترتكز أسسها على عهد عمره ثلاثة آلاف عام وعلى إرادة وطنية لا تتزعزع في الاستمرار.

ويظل الدعم الأميركي أصلاً لا يقدر بثمن، ويتعين على إسرائيل أن تستمر في تنمية تحالفات عميقة بين الحزبين عبر الأطلسي. ولكن لا يوجد سياسي واحد، مهما كان نفوذه، يحمل مفاتيح مصير إسرائيل.

لقد استمرت الدولة اليهودية لفترة طويلة قبل أن يدخل دونالد ترامب الساحة السياسية، ومن خلال مرونتها وابتكارها وإيمانها، ستظل تقف بفخر هنا لفترة طويلة بعد رحيله.



Source link

صلاح الحيدري

يُعدّ صلاح الحيدري أحد أبرز الأسماء في مجال الصحافة الرقمية والإعلام الإخباري في العالم العربي. بفضل خبرته الطويلة في العمل الصحفي وإدارته لفرق تحرير متعددة، استطاع أن يرسّخ مكانته كأحد القيادات التحريرية التي تجمع بين المهنية العالية والرؤية الإعلامية الحديثة. يشغل صلاح الحيدري منصب رئيس التحرير في هذا الموقع الإخباري، حيث يشرف على السياسة التحريرية العامة ويقود فريقًا من الصحفيين والمحررين لضمان تقديم محتوى إخباري موثوق ودقيق للجمهور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى