العـــرب والعالــم

اعترافات طيار سوري تكشف أوامر قصف مركزية أثناء الحرب

كشفت تسجيلات فيديو نشرتها وزارة الداخلية السورية مؤخراً، عن اعترافات عدد من الطيارين السابقين في سلاح الجو التابع للنظام السوري. وتتضمن هذه الاعترافات تفاصيل حساسة حول كيفية اتخاذ القرارات المتعلقة بالقصف الجوي طوال سنوات الصراع، فضلاً عن الدور المباشر الذي لعبته القيادة العليا، وعلى رأسها الرئيس السابق ووزارة الدفاع، في تحديد الأهداف العسكرية والمدنية.

لمزيد من القصص من The Media Line، انتقل إلى themedialine.org

وبحسب هذه الاعترافات، فإن عمليات التفجير لم تكن عشوائية أو بناء على قرارات ميدانية بحتة. بل أكد الطيارون أن التعليمات المتعلقة بالأهداف والمناطق المحددة تم تسليمها مباشرة من قيادة القوات الجوية، بالتنسيق مع وزير الدفاع وبتدخل مباشر من الرئيس السابق.

وتشير الشهادات أيضًا إلى أن العمليات العسكرية الجوية تطورت تدريجيًا مع مرور الوقت. في المراحل الأولى من الصراع، تم استخدام المروحيات في المقام الأول، ولكن تصاعدت حدتها مع إدخال الطائرات المقاتلة في عام 2013. وأدى هذا التطور إلى زيادة في وتيرة الغارات الجوية والنطاق الجغرافي للعمليات.

وأشار أحد الطيارين، الذي كان يشغل مناصب قيادية عليا، إلى أن بعض الضباط حظوا بثقة خاصة من قبل القيادة، وتم تكليفهم بمهام قصف مكثفة، خاصة في مناطق الغوطة الشرقية والغربية، التي شهدت عمليات عسكرية واسعة خلال سنوات الحرب.

كما تكشف الاعترافات عن وجود نظام منظم لإدارة عمليات التفجير. وتم إرسال الإحداثيات إلى الطيارين قبل تنفيذ المهام، مع تحديد دقيق للأهداف. كما أشار الطيارون إلى أن بعض المشاركين في هذه العمليات حصلوا على مكافآت مالية مقابل تنفيذ الضربات، ما يعكس وجود حوافز مادية مرتبطة بالعمليات العسكرية الجوية.

مقاتلون مناهضون للحكومة يقفون فوق طائرة تابعة للجيش السوري بعد استيلائهم على قاعدة جوية عسكرية بالقرب من مدينة حماة بوسط البلاد، في 6 ديسمبر 2024. (Credit: OMAR HAJ KADOUR/AFP via Getty Images)

وانطلقت العديد من هذه العمليات من قواعد جوية رئيسية، أبرزها مطار الضمير العسكري بريف دمشق، بالإضافة إلى قواعد أخرى مثل السن وخخلة. وتم تنفيذ العمليات بتنسيق مركزي بين قيادة القوات الجوية والقيادة العسكرية العليا.

طيارون سوريون يعترفون بشن غارات جوية استهدفت مناطق مدنية

وتتضمن الاعترافات اعترافات بتنفيذ غارات جوية استهدفت مناطق مدنية، من بينها السوق في مدينة دوما، والتي تعرضت لقصف مكثف باستخدام الصواريخ الفراغية شديدة الانفجار، مما أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا. واعترف الطيارون أيضًا بشن غارات على بلدة دير العصافير في الغوطة الشرقية كجزء من سلسلة عمليات وصفت بأنها من بين الأكثر دموية.

وفي سياق عمليات محددة، ذكر أحد الطيارين أنه شارك في غارة جوية استهدفت زعيم جيش الإسلام، زهران علوش، عام 2015، في عملية تسلط الضوء على مستوى التنسيق الاستخباراتي والعسكري المصاحب لبعض الغارات الجوية.

وتأتي هذه الاعترافات في وقت تشهد فيه سوريا جهودا قضائية وأمنية لملاحقة شخصيات مرتبطة بالنظام السابق. وسبق أن أعلنت السلطات اعتقال عدد من الطيارين والضباط المتورطين في عمليات التفجير، بينهم أفراد مدرجون على قائمة العقوبات الدولية.

ويرى المراقبون أن هذه الشهادات يمكن أن تشكل مادة قانونية مهمة في أي عمليات محاسبة مقبلة، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، خاصة في ظل الاتهامات المتكررة باستخدام القوة الجوية ضد مناطق مدنية أثناء النزاع.

وإذا تم التحقق من هذه الاعترافات بشكل كامل، فإنها توفر صورة أوضح لكيفية إدارة العمليات العسكرية الجوية خلال الحرب السورية. وهي تسلط الضوء على مركزية صنع القرار العسكري ودور القيادة السياسية في توجيه الضربات، مما قد يعيد فتح النقاش حول المسؤولية الفردية والمؤسساتية في الصراع.

منذ اندلاع النزاع السوري في عام 2011، كانت القوات الجوية واحدة من أكثر أدوات الحرب فتكا، لا سيما في المناطق الواقعة خارج سيطرة الحكومة، حيث اعتمدت على نطاق واسع على القصف الجوي، بما في ذلك البراميل المتفجرة والصواريخ شديدة الانفجار. وتشير تقديرات مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن الحرب في سوريا أودت بحياة ما لا يقل عن 306887 مدنيا بحلول عام 2022، مع مقتل ما معدله 84 مدنيا يوميا تقريبا خلال السنوات الأولى من الصراع.

على الرغم من صعوبة تحديد المسؤولية الدقيقة عن كل غارة جوية على حدة، تتفق العديد من تقارير حقوق الإنسان على أن قوات الحكومة السورية وحلفائها كانوا مسؤولين عن الحصة الأكبر من الضحايا المدنيين. وبحسب بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قُتل أكثر من 200 ألف مدني على يد قوات النظام منذ بداية النزاع، وهو أعلى رقم بين جميع أطراف الحرب.

وتظهر هذه الأرقام أن القصف الجوي كان عاملاً رئيسياً وراء هذه الخسائر المرتفعة، خاصة بين عامي 2012 و2018، اللذين شهدا ذروة استخدام الطائرات الحربية والمروحيات ضد المناطق المأهولة بالسكان. وتحولت مدن مثل حلب والغوطة الشرقية وإدلب إلى ساحات لقصف مكثف استهدف الأحياء السكنية والأسواق والبنية التحتية الحيوية، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، بالإضافة إلى عمليات نزوح واسعة النطاق.

وتؤكد التقارير الميدانية للمنظمات الإنسانية، كالدفاع المدني السوري، أن عشرات الآلاف من المدنيين قتلوا أو أصيبوا نتيجة الغارات الجوية. وتمكنت فرق الإنقاذ من انتشال أكثر من 125 ألف شخص دفنوا تحت الأنقاض خلال سنوات الحرب، مما يدل على حجم وشدة القصف.

وتوثق التقارير السنوية أيضًا أن القصف لم يكن حدثًا استثنائيًا، بل كان ممارسة متكررة. ففي عام 2022 وحده، على سبيل المثال، تم توثيق مقتل مئات المدنيين على يد قوات النظام، على الرغم من انخفاض وتيرة العمليات مقارنة بسنوات الذروة، مما يعكس استمرار الاعتماد على القوة الجوية حتى في المراحل اللاحقة من الصراع.

وتشير تحليلات حقوق الإنسان إلى أن استخدام الطائرات الحربية في المناطق المأهولة بالسكان، ولا سيما الأسلحة ذات القدرة التدميرية الواسعة، ساهم بشكل مباشر في ارتفاع عدد الضحايا المدنيين وأدى إلى اتهامات متكررة بارتكاب انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك الهجمات غير المتناسبة أو العشوائية.

على الرغم من اختلاف التقديرات بين المصادر المختلفة، يظل الاستنتاج المشترك هو أن القصف الجوي كان أحد الأسباب الرئيسية لوفيات المدنيين في سوريا وأن تأثيره امتد إلى ما هو أبعد من الخسائر البشرية ليشمل تدمير البنية التحتية وخلق واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم المعاصر.



Source link

صلاح الحيدري

يُعدّ صلاح الحيدري أحد أبرز الأسماء في مجال الصحافة الرقمية والإعلام الإخباري في العالم العربي. بفضل خبرته الطويلة في العمل الصحفي وإدارته لفرق تحرير متعددة، استطاع أن يرسّخ مكانته كأحد القيادات التحريرية التي تجمع بين المهنية العالية والرؤية الإعلامية الحديثة. يشغل صلاح الحيدري منصب رئيس التحرير في هذا الموقع الإخباري، حيث يشرف على السياسة التحريرية العامة ويقود فريقًا من الصحفيين والمحررين لضمان تقديم محتوى إخباري موثوق ودقيق للجمهور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى