تقـاريـر يمنيــــة

لعبة النفوذ والأطماع الاستراتيجية للسعودية في اليمن

بقلم: د. فرانسوا فريسون روش

كبير الخبراء في مؤتمر الحوار الوطني اليمني في صنعاء (2012-2014)

وبينما ينشغل العالم أجمع بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران ويخشى على إمدادات الطاقة، تجري المملكة العربية السعودية حالياً، بهدوء وبشكل مستقل، مفاوضات مع حركة التمرد الحوثية، التي تسيطر على شمال اليمن وتستمر في إظهار الدعم للنظام الإيراني.

بالنسبة لبعض المراقبين، فإن ما يبدو وكأنه مساومة سياسية بسيطة قد يكون في الواقع لعبة مزدوجة على حساب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، بقيادة رشاد العليمي، رئيس المجلس القيادي الرئاسي، الذي يقيم في الرياض وتدعمه المملكة، لكنه غائب بشكل ملحوظ عن المفاوضات الجارية.

منذ عام 2015، شاركت المملكة العربية السعودية عسكرياً في اليمن، في المقام الأول من خلال الغارات الجوية، دون مشاركة برية مباشرة بسبب تعقيد التضاريس الجبلية في الشمال التي يسيطر عليها الحوثيون.

وعلى الرغم من امتلاك القوات السعودية لمعدات عسكرية أمريكية متقدمة، إلا أن الفعالية العملياتية المحدودة للقوات السعودية تظل عائقًا كبيرًا. علاوة على ذلك، يكمن أحد العوامل التي يتم الاستهانة بها في كثير من الأحيان في العلاقات القبلية عبر الحدود بين البلدين، إلى جانب الترتيبات المالية التاريخية.

وبعد أكثر من عقد من التحولات السياسية والعسكرية، يبدو أن الرياض عززت موقعها المهيمن في اليمن، لا سيما من خلال تهميش منافس إقليمي، الإمارات العربية المتحدة، وكذلك المجلس الانتقالي الجنوبي، وهي حركة انفصالية كانت تدعمها.

وفي هذا السياق، تظهر طموحات استراتيجية أعمق. تسعى المملكة العربية السعودية إلى تعزيز، أو حتى فرض سيطرة شبه كاملة على جنوب اليمن. وفي قلب هذه الاستراتيجية يكمن مشروع طويل الأمد:

إنشاء خط أنابيب نفط يربط الأراضي السعودية ببحر العرب والمحيط الهندي عبر محافظتي حضرموت والمهرة اليمنيتين. ومن شأن هذا المشروع أن يمكّن الرياض من تجاوز مضيق هرمز الواقع تحت النفوذ الإيراني القوي، وتأمين صادراتها من الطاقة.

وعلى الرغم من تصريحات المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن في ديسمبر/كانون الأول 2025، الذي أكد أن خارطة الطريق المدعومة من الرياض – والتي تهدف إلى التوصل إلى اتفاق مع الحوثيين – لم تعد مناسبة للوضع الحالي، يبدو أن السعودية أعادت إحياء هذه المبادرة.

مستغلة انشغال المجتمع الدولي بالتوترات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، استأنفت المفاوضات المباشرة مع الحوثيين، في ظل غياب تام للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.

ويثير هذا التهميش تساؤلات جوهرية: هل يمكن اعتبار ذلك اتفاقا ضمنيا يهدف إلى ضمان وقف الأعمال العدائية للحوثيين على طول الحدود الجنوبية للسعودية وفي مضيق باب المندب، مقابل الاعتراف الفعلي بسيطرتهم على الأراضي التي يحتلونها، إلى جانب التعويض المالي؟

ويعكس الوضع الحالي قبضة الرياض المتزايدة على القرارات السيادية لليمن. ويبدو أن الحكومة اليمنية في المنفى، والتي تتخذ من المملكة العربية السعودية مقراً لها منذ أكثر من عشر سنوات، تبدو على نحو متزايد وكأنها هيكل تابع، حتى أن البعض ينظر إليها على أنها كيان سياسي إداري يتماشى مع المصالح السعودية بدلاً من كونها سلطة مستقلة وسيادية.

وعلى الرغم من هذا التهميش، يبدو أن الرياض تعتمد على الدعم الضمني من الدول التي تعتمد على استقرار مضيق باب المندب. مصر، بسبب عائدات قناة السويس؛ إسرائيل، من خلال التدفقات التجارية عبر ميناء إيلات في خليج العقبة؛ فضلاً عن العديد من الدول الأوروبية، وخاصة في تجارتها مع الصين، فإن جميعها لها مصلحة في تأمين هذا الطريق البحري الاستراتيجي.

إن وضع حد لقدرة الحوثيين على تعطيل الملاحة في هذه المنطقة يأتي بتكلفة يبدو أن المملكة العربية السعودية مستعدة لتحملها. ويبقى السؤال: ما هي المكاسب السياسية التي تأمل في تحقيقها في المقابل؟

وفي هذه المعادلة الجيوسياسية المعقدة، يبقى الخاسر الأكبر، مرة أخرى، الشعب اليمني.

Source link

صلاح الحيدري

يُعدّ صلاح الحيدري أحد أبرز الأسماء في مجال الصحافة الرقمية والإعلام الإخباري في العالم العربي. بفضل خبرته الطويلة في العمل الصحفي وإدارته لفرق تحرير متعددة، استطاع أن يرسّخ مكانته كأحد القيادات التحريرية التي تجمع بين المهنية العالية والرؤية الإعلامية الحديثة. يشغل صلاح الحيدري منصب رئيس التحرير في هذا الموقع الإخباري، حيث يشرف على السياسة التحريرية العامة ويقود فريقًا من الصحفيين والمحررين لضمان تقديم محتوى إخباري موثوق ودقيق للجمهور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى