بدء عملية رفع سوريا من قائمة الإرهاب الأمريكية رسميًا
بدأت الولايات المتحدة يوم الأربعاء رسميا عملية رفع سوريا من قائمتها للدول الراعية للإرهاب بعد أن أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الكونجرس بقراره إلغاء التصنيف المعمول به منذ عام 1979.
لمزيد من القصص من The Media Line، انتقل إلى themedialine.org
ويمكن أن تمثل هذه الخطوة نقطة تحول رئيسية في العلاقات بين واشنطن ودمشق وتمهد الطريق لزيادة الاستثمار الأمريكي والمشاركة الاقتصادية في سوريا.
وبموجب القانون الأمريكي، أصبح أمام الكونجرس الآن فترة مراجعة مدتها 45 يومًا قبل أن يدخل القرار حيز التنفيذ. وفي رسالة رسمية موجهة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، قال الرئيس ترامب إن واشنطن تعتزم إزالة “العقبات” التي تحول دون إعادة إعمار سوريا، مضيفا أن الشركات الأمريكية أصبحت الآن “مستعدة للاستثمار” في البلاد.
ويمثل القرار أحد أهم التحولات في سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا منذ عقود. وينهي هذا التصنيف الذي شكل العلاقات الثنائية منذ ما يقرب من 47 عامًا ويتبع سلسلة من الخطوات الأمريكية التدريجية في الأشهر الأخيرة، بما في ذلك تخفيف بعض القيود وتوسيع المشاركة مع الحكومة السورية الجديدة بعد التحول السياسي في البلاد.
وعلى الرغم من أن هذه الخطوة لا ترفع جميع العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا، إلا أنها تزيل أحد أهم العوائق القانونية والسياسية التي أثنت البنوك الدولية والشركات الأجنبية عن دخول السوق السورية مرة أخرى.
تم تصنيف سوريا لأول مرة كدولة راعية للإرهاب في 29 ديسمبر 1979، لتصبح واحدة من أوائل الدول التي تم إدراجها في القائمة بعد إنشائها بموجب قانون إدارة الصادرات الأمريكي. وبررت واشنطن حينها التصنيف باتهام دمشق بدعم تنظيمات تصنفها الولايات المتحدة جماعات إرهابية، فضلا عن استضافة قادة فصائل فلسطينية ولبنانية مدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية.
ولأكثر من أربعة عقود، ظلت سوريا على القائمة على الرغم من التغييرات في الإدارات الأمريكية المتعاقبة، مما يجعلها واحدة من الدول الأطول خدمة تحت هذا التصنيف. خلال تلك الفترة، فرضت واشنطن مجموعة واسعة من القيود، بما في ذلك الحظر على صادرات الأسلحة، والقيود على المساعدات الاقتصادية الأمريكية، وتشديد الضوابط على الصادرات ذات الاستخدام المزدوج، وقيود مالية ومصرفية إضافية.
إشارات إخطار الكونجرس تتحول في النهج الأمريكي
ويعتقد المحلل السياسي السوري عبد الكريم أن إخطار الكونغرس كان أكثر بكثير من مجرد إجراء قانوني مطلوب قبل رفع اسم دولة ما من قائمة الإرهاب.
وقال كريم لصحيفة ميديا لاين: “يعكس الإخطار تداعيات سياسية واقتصادية عميقة تشير إلى تحول في نهج واشنطن تجاه دمشق”.
وقال إن رسالة الرئيس ترامب إلى الشرع تجاوزت مجرد الإعلان عن بدء العملية القانونية.
وقال لصحيفة ميديا لاين: “لقد تضمن الالتزام بإزالة العقبات التي تحول دون إعادة إعمار سوريا، مع التأكيد أيضًا على أن الشركات الأمريكية مستعدة للاستثمار في البلاد. وهذا هو أول مؤشر رسمي على هذا المستوى يربط التغيير في السياسة الأمريكية تجاه دمشق بالمشاركة الاقتصادية المباشرة”.
وأضاف كريم أن القرار يأتي في أعقاب سلسلة من الخطوات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية في الأشهر الأخيرة، بما في ذلك تخفيف عدة قيود على سوريا وفتح قنوات اتصال مع الحكومة الجديدة في البلاد، كجزء من سياسة أوسع تختلف عن تلك التي حكمت العلاقات الثنائية لعقود.
ومن الناحية القانونية، قال الخبير القانوني السوري إبراهيم حسين، إن القرار لا يعني رفع سوريا من القائمة على الفور، حيث يمنح القانون الأمريكي الكونجرس فترة مراجعة مدتها 45 يومًا قبل أن يدخل الإجراء حيز التنفيذ.
ليست نهاية جميع العقوبات الأمريكية
وقال حسين لصحيفة ميديا لاين: “إن إزالة التصنيف لا ترفع تلقائيًا العقوبات الأمريكية الأخرى المفروضة على سوريا، والتي يستند الكثير منها إلى قوانين منفصلة وأوامر تنفيذية”. “ومع ذلك، فإنه يزيل أحد التصنيفات الأكثر أهمية من الناحية السياسية التي تؤثر على كيفية تعامل المؤسسات المالية والشركات الدولية مع دمشق”.
لأكثر من أربعة عقود، كان تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب بمثابة إحدى العقبات الرئيسية التي تحد من علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة والدول الغربية. وقد فرض هذا التصنيف قيوداً على المساعدات والصادرات والمعاملات المالية الأمريكية، وزاد بشكل كبير من المخاطر القانونية والتجارية التي تواجه البنوك والشركات التي تفكر في التعامل مع سوريا.
وقال الخبير الاقتصادي السوري أسامة قاضي إن استكمال عملية الإزالة من شأنه أن يمنح المؤسسات المالية الدولية والشركات الأجنبية ثقة أكبر لاستكشاف الفرص في سوريا، حتى لو ظلت العقوبات الأخرى قائمة.
وقال القاضي لصحيفة ميديا لاين: “إن تصنيف الدولة الراعية للإرهاب يحمل عواقب قانونية ونفسية تمتد إلى ما هو أبعد من العقوبات المباشرة نفسها”.
وأضاف أن إشارة الرئيس الأمريكي الصريحة إلى استعداد الشركات الأمريكية للاستثمار في سوريا تمثل تحولا ملحوظا في الخطاب الأمريكي.
وقال: “على مدى سنوات، ركزت التصريحات الأمريكية الرسمية في المقام الأول على العقوبات ومكافحة الإرهاب والمساعدات الإنسانية”. وأضاف أن الرسالة الحالية هي الأولى التي تقدم رؤية يمكن من خلالها للقطاع الخاص الأمريكي أن يشارك في إعادة بناء الاقتصاد السوري، بشرط استكمال الإجراءات القانونية والسياسية اللازمة.
وقال القاضي إن هذه الرسائل ليست موجهة إلى دمشق فحسب، بل إلى البنوك العالمية والمؤسسات المالية والشركات الأمريكية والأوروبية أيضًا.
وقال لصحيفة ميديا لاين: “إنها تهدف إلى إظهار أن سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا قد دخلت مرحلة جديدة تقوم على المشاركة التدريجية بدلاً من العزلة الشاملة”.
في غضون ذلك، قال المحلل السياسي السوري عبد الله العبدون، إن دمشق تعتبر القرار أحد أهم إنجازاتها الدبلوماسية منذ تشكيل الحكومة الجديدة.
وقال العبدون للميديا لاين: “إن القرار يوفر لسوريا فرصة مهمة لتعزيز جهودها لإعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وإقناع الحكومات الغربية بأن المشهد السياسي في البلاد قد تغير بشكل جذري”.
وفي الوقت نفسه، حذر من أن عودة سوريا الكاملة إلى النظام المالي الدولي تظل عملية طويلة الأمد.
وأضاف أن “نجاح هذه الخطوة سيعتمد في نهاية المطاف على مستقبل العقوبات المتبقية، فضلا عن قدرة سوريا على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمؤسساتية وتوفير البيئة القانونية والأمنية اللازمة لجذب المستثمرين”.
وإذا اكتملت العملية بعد فترة مراجعة الكونجرس، فستصبح سوريا أول دولة يتم إزالتها من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب منذ السودان في عام 2020. وستظل إيران وكوريا الشمالية وكوبا على القائمة، مما يسلط الضوء على أهمية نهج واشنطن المتغير تجاه دمشق.
وعلى الرغم من أهمية القرار، إلا أنه لا يمثل نهاية لنظام العقوبات الأمريكية الأوسع على سوريا. بل إنه يمثل خطوة واحدة ضمن عملية قانونية وسياسية أوسع ظهرت تدريجياً في أعقاب التحول السياسي في سوريا. إن فهم أهمية هذه الخطوة يتطلب النظر إلى تطور سياسة العقوبات الأمريكية على مدى العقود الأربعة الماضية.
وفي أعقاب اندلاع الانتفاضة السورية في عام 2011 والحرب الأهلية التي تلتها، وسعت واشنطن بشكل كبير نظام عقوباتها ضد دمشق. وقع الرئيس باراك أوباما آنذاك على سلسلة من الأوامر التنفيذية التي تستهدف الرئيس السابق بشار الأسد، وكبار المسؤولين الحكوميين، ومؤسسات الدولة الرئيسية.
وتضمنت الإجراءات تجميد الأصول، وفرض قيود على المعاملات المالية، وحظر الاستثمارات الأمريكية الجديدة في سوريا، وعقوبات تستهدف قطاعات النفط والطاقة والبنوك في البلاد.
في عام 2019، أقر الكونغرس قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا، والذي دخل حيز التنفيذ في يونيو/حزيران 2020. ووسع هذا التشريع بشكل كبير نطاق العقوبات الأمريكية من خلال استهداف الأفراد والشركات والحكومات الأجنبية التي تقدم الدعم المالي أو الفني أو الهندسي للحكومة السورية أو تشارك في مشاريع إعادة الإعمار دون تصريح من الولايات المتحدة.
وأصبح قانون قيصر أحد أقوى أدوات الضغط الاقتصادي التي تستخدمها واشنطن على دمشق، حيث أثنى العديد من الشركات والمؤسسات المالية الدولية عن دخول السوق السورية خوفاً من التعرض لعقوبات أميركية ثانوية.
على الرغم من أهميته السياسية والقانونية، فإن إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يؤدي تلقائيًا إلى إلغاء نظام العقوبات الأمريكي الأوسع. تعود معظم القيود المفروضة على مدى العقد الماضي إلى تشريعات وأوامر تنفيذية منفصلة، لا سيما قانون قيصر.
ونتيجة لذلك، فإن إزالة سوريا من قائمة الإرهاب من شأنه أن يزيل واحدة من أهم العقبات القانونية والسياسية التي تواجه البلاد، لكنه لن يفكك الإطار الأوسع للعقوبات الأمريكية.
ولهذا السبب، يرى العديد من المحللين أن قرار إدارة ترامب هو بداية تفكيك واحدة من أقدم آليات الضغط التي استخدمتها واشنطن ضد سوريا وليس نهاية لهيكل العقوبات الذي تطور على مدى عدة عقود واشتدت بعد عام 2011.
في حين أن إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يمثل نهاية للعقوبات الأمريكية، إلا أنه ينهي واحدة من أقدم أدوات الضغط الأمريكي على دمشق، والتي يعود تاريخها إلى أواخر السبعينيات.
والاختبار الحقيقي الآن هو ما إذا كانت واشنطن ستتبع القرار بإجراءات قانونية واقتصادية إضافية قادرة على إعادة فتح سوريا أمام التمويل والاستثمار الدوليين، أو ما إذا كانت هذه الخطوة ستظل بمثابة لفتة سياسية مهمة دون أن تقابلها تغييرات سياسية أوسع نطاقاً تعيد تشكيل العلاقات الأمريكية السورية بشكل أساسي.