مساعي السلام بين إسرائيل ولبنان تواجه اختباراً واقعياً
على الورق، يمثل الاتفاق الثلاثي الموقع يوم الجمعة بين إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة الأمل الحقيقي الذي تتقاسمه جميع الأطراف في أن يظل السلام بين البلدين ممكنا.
ويظل من غير المؤكد ما إذا كان هذا الأمل كافياً لتحويل هذا الاحتمال إلى واقع.
وبالنسبة لإسرائيل، فإن البند الأكثر أهمية في إطار العمل هو التأكيد الصريح على أن جيش الدفاع الإسرائيلي سوف يكون قادراً على البقاء منتشراً في جنوب لبنان “إلى حين التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك البنية التحتية المرتبطة بها”.
وبموجب الاتفاق، سينسحب جيش الدفاع الإسرائيلي من منطقتين تجريبيتين أوليتين ويحل محله القوات المسلحة اللبنانية، التي ستسهل بعد ذلك العودة الآمنة للمدنيين اللبنانيين إلى تلك المناطق. وهذا يعطي الجيش اللبناني فعلياً حالة اختبار: هل ستتمكن السلطات اللبنانية من إبقاء حزب الله خارجاً بمجرد رحيل الجيش الإسرائيلي؟
وكان من المفترض أيضاً أن يحافظ قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701 على إبقاء حزب الله شمال نهر الليطاني. وبدلاً من ذلك، أنفق حزب الله ما يقرب من عقدين من الزمن في إعادة بناء قوته العسكرية تحت مراقبة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان. وقد أعرب المسؤولون الإسرائيليون مراراً عن إحباطهم إزاء فشل القوات اللبنانية في نزع سلاح حزب الله بعد اتفاقيات وقف إطلاق النار السابقة.
يحتاج الاتفاق الإسرائيلي اللبناني إلى الواقعية لكي ينجح
وإذا كان لبنان جاداً في استعادة سيادته من حزب الله، فيتعين عليه أخيراً أن يقوم بدوره في تأمين أراضيه ــ وهي المهمة التي دفع الكثير من جنود جيش الدفاع الإسرائيلي حياتهم ثمناً لها.
وهذا الإطار، إذا تم تنفيذه، قد يجبر الحكومة اللبنانية في النهاية على الاختيار بين فرض سلطتها أو السماح لمستقبل البلاد بالبقاء رهينة لمنظمة إرهابية تابعة للنظام الإسلامي في طهران.
ومن خلال القيام بذلك، فإن ذلك يضع بيروت في مواجهة القضية المركزية التي تجنبتها لسنوات – الاعتراف أخيراً بأن حزب الله هو العقبة التي تعيق لبنان، وليس شريكاً شرعياً في إعادة بناء البلاد.
ومن العلامات المشجعة الأخرى على أن الاتفاق يمكن أن يساعد في إنهاء القتال على طول الحدود الشمالية لإسرائيل هو معارضة الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم بشدة له.
وندد قاسم في بيان صدر يوم السبت بالإطار ووصفه بأنه “إذلال” واستسلام للسيادة اللبنانية، وأعلن أنه لاغي وباطل، ودعا إلى استبداله بمذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران.
ويسلط رد فعله الضوء على التناقض الصارخ بين إطار العمل الذي تم التوصل إليه يوم الجمعة والتفاهم المنفصل بين واشنطن وطهران.
وفي الأسبوع الماضي، أعلن بيان صادر عن الدولتين الوسيطتين، قطر وباكستان، عن إنشاء آلية لتجنب الاشتباك في لبنان. وبحسب ما ورد، فإن هذه الآلية تستبعد الممثلين الإسرائيليين من الهيئة المشرفة على التنفيذ، في حين تشمل إيران.
ومع ذلك، فإن الاتفاقية الإطارية نفسها لا تتضمن أي إشارة إلى الآلية القطرية الباكستانية. يمنح أحد الاتفاقيات إيران دوراً رقابياً في إعادة البناء الأمني في لبنان، في حين يؤكد اتفاق آخر صراحة على موقف لبنان بأن “أي ادعاء من قبل أي دولة أو جهة غير حكومية بممارسة دور عسكري أو أمني هو أمر غير قانوني… ويتعارض مع المصالح الوطنية اللبنانية”.
ومن الصعب تجاهل التناقض. وعندما يحين وقت الجدال، أي من هذه التفاهمات المتنافسة سوف يتم تنفيذها بالفعل، إن وجدت؟
إلى جانب نظيره اللبناني ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وصف السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر الاتفاق بأنه خطوة “تاريخية” نحو “سلام حقيقي”، قائلا إن المفاوضين تمكنوا من إعادة “القطار الدبلوماسي إلى مساره” بعد الإشارة في السابق إلى المحادثات على أنها “حطام قطار”.
وفي رسالة فيديو صدرت يوم الجمعة، أشاد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أيضًا بإطار العمل باعتباره “إنجازًا كبيرًا لدولة إسرائيل”، مضيفًا أن “الشيء الأكثر أهمية هو أن إسرائيل تقول: أمننا يأتي أولاً”.
ورغم أن التفاؤل ينتعش بعد فترة من الانتكاسات الدبلوماسية، فإن الإسرائيليين سيكون لديهم ما يبرر التعامل مع إطار العمل بحذر، نظراً لفشل اتفاقيات وقف إطلاق النار السابقة.
فالاتفاقية، كما نشرتها وزارة الخارجية الأمريكية، تستحضر مراراً وتكراراً كلمة “السلام”. إن الأمل المشترك في حدود شمالية مستقرة ومزدهرة واضح في جميع أنحاء الوثيقة.
ولكن كما هي الحال غالباً في الشرق الأوسط، فإن الاختبار الحقيقي سوف يتحدد على الأرض في جنوب لبنان ـ من خلال ما إذا كان حزب الله قد تم نزع سلاحه حقاً، وما إذا كانت الدولة اللبنانية راغبة وقادرة على فرض سيادتها، وما إذا كانت الالتزامات التي تم تقديمها على الورق ستصمد في مواجهة الواقع.