العـــرب والعالــم

حماس تفقد الدعم الشعبي في غزة بعد اغتيال حداد

في الشرق الأوسط، لا تقاس اللحظات الحاسمة دائما بحجم الانفجار أو عدد الضحايا. وفي بعض الأحيان، يتم قياسها من خلال التفاعل الذي يليها. وبعد أن أكد بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس مقتل حداد، أحد أبرز قادة المجلس العسكري في حماس، فإن ما لفت الانتباه داخل غزة لم يكن الاغتيال نفسه فحسب، بل الصمت الذي أعقبه.

الصمت في غزة أبلغ من الشعارات

في السنوات السابقة، كانت جنازات كبار قادة حماس تتحول في كثير من الأحيان إلى استعراض شعبي ضخم للولاء والتحدي. تمتلئ الشوارع بالحشود والهتافات والرمزية العسكرية. لكن هذه المرة، لاحظ العديد من سكان غزة شيئًا مختلفًا. بدا الإقبال أقل، والحماس العام أضعف، وكشفت ردود الفعل على وسائل التواصل الاجتماعي عن مشاعر نادرا ما تم التعبير عنها بشكل علني من قبل: الإرهاق، واللامبالاة، وفي بعض الحالات، حتى الشماتة.

لم تأت ردود الفعل هذه فقط من خصوم حماس السياسيين أو من المدنيين الذين دمرتهم سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي. ويبدو أن بعض هؤلاء الأفراد جاءوا أيضاً من أفراد كانوا مرتبطين سابقاً بالبيئة الاجتماعية لحماس. وأحيا كثيرون أحاديث قديمة عن المنافسات الداخلية والقمع وأجواء الخوف التي شكلت الحياة في غزة لسنوات.

في مجتمع منغلق سياسيا ومحافظ للغاية مثل غزة، لا يتم التعبير عن التحولات في الرأي العام دائما من خلال المظاهرات أو استطلاعات الرأي. في بعض الأحيان تنعكس في الهمس، في الصمت، أو في ما يختار الناس عدم القيام به. بالنسبة للعديد من سكان غزة، كان رد الفعل الشعبي الضعيف نسبياً لجنازة حداد يحمل رسالة سياسية واجتماعية أعمق.

الجيش الإسرائيلي يؤكد وفاة القائد العسكري لحماس عز الدين الحداد، 16 مايو، 2026. (Credit: IDF SPOKESPERSON’S UNIT)

الانهيار المتزايد للشرعية الفصائلية

والآن تتزايد التساؤلات داخل غزة حول ما إذا كانت حماس لا تزال تمتلك نفس القاعدة الشعبية الصلبة التي أعطت الحركة شرعيتها ذات يوم بعد سيطرتها على القطاع في عام 2007. وبعد سنوات من الحرب والحصار والتهجير والانهيار الاقتصادي، لم يعد العديد من سكان غزة ينظرون إلى الفصائل السياسية من خلال نفس العدسة الإيديولوجية. لقد تغيرت الأولويات. فالناس يريدون على نحو متزايد الحصول على الكهرباء، والسلامة، وحرية الحركة، وفرص العمل، والتعليم أكثر من رغبتهم في الشعارات الثورية.

ومن ناحية أخرى، سمحت حماس مؤخراً لفتح بعقد مؤتمرها الثامن داخل غزة تحت حماية قوات الشرطة التي تسيطر عليها حماس، في حين اتهمت تصريحات منسوبة إلى ياسر عباس، نجل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، حماس بتنفيذ “انقلاب عسكري” ضد السلطة الفلسطينية. بالنسبة للعديد من سكان غزة، أثار هذا التناقض أسئلة صعبة. فكيف يمكن لفتح أن تستمر في وصف حماس بأنها منافستها السياسية والعسكرية، بينما تنسق معها في الوقت نفسه على الأرض في غزة؟

بالنسبة للسكان الذين عاشوا الانقسام العنيف بين حماس وفتح عام 2007، فإن مثل هذه المشاهد تعزز الاعتقاد المتزايد بأن الانقسام الفلسطيني قد تطور إلى نظام سياسي مغلق يقوم فيه الطرفان بإعادة إنتاج هياكل السلطة الخاصة بهما بينما يظل المدنيون العاديون مستبعدين من التمثيل السياسي الهادف.

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، انتقد العديد من سكان غزة المؤتمر الثامن لفتح باعتباره إعادة تدوير أخرى لشخصيات قيادية مسنة غير قادرة على تقديم رؤية واقعية لمستقبل غزة أو إشراك الأجيال الشابة في صنع القرار السياسي. ومع ذلك، فإن الإحباط لم يعد موجهاً نحو فتح وحدها. وتواجه حماس نفسها ما قد يكون أعمق أزمة ثقة عامة منذ سيطرتها على غزة قبل ما يقرب من عقدين من الزمن.

وعادت المنافسات الداخلية القديمة بين حماس إلى الظهور

وبعد وفاة حداد، عادت المناقشات إلى الظهور حول قضية محمد شتيوي، القائد الكبير في الجناح العسكري لحركة حماس، الذي قُتل عام 2016 في ظروف مثيرة للجدل إلى حد كبير. وزعمت حماس في ذلك الوقت أنه تم إعدامه على خلفية اتهامات أمنية وأخلاقية، لكن عائلته رفضت الرواية الرسمية واتهمت علنا ​​شخصيات مؤثرة داخل حماس، بما في ذلك يحيى السنوار وغيره من القادة العسكريين، بتدبير عملية قتله كجزء من صراع داخلي على السلطة.

وبعد اغتيال حداد، أعاد نشطاء من غزة النظر في قصة اشتيوي باعتبارها رمزا للانقسامات الداخلية الطويلة الأمد داخل حماس. وقد أعربت بعض ردود الفعل على الإنترنت من أفراد يُنظر إليهم على أنهم مقربون من حماس عن رضاهم غير المباشر عن وفاة حداد، حيث اعتبروه جزءًا من حقبة داخلية قاسية تتسم بالقمع والتطهير الداخلي والمنافسات الخفية.

ولم يقتصر الغضب على أعداء حماس السياسيين أو المدنيين المتضررين من الحرب. كما ظهر ذلك بين العائلات والأفراد الذين يعتقدون أن سنوات الصراع الداخلي داخل حماس نفسها تركت جروحًا عميقة داخل مجتمع غزة. بالنسبة للبعض، أحيا مقتل حداد ذكريات أعضاء حماس السابقين والمطلعين على بواطن الأمور الذين اختفوا، أو سُجنوا، أو تم القضاء عليهم خلال سنوات من التوتر بين الفصائل والنزاعات الداخلية.

مثل هذه التحولات ليست فريدة من نوعها في تاريخ الحركات المسلحة أو الأنظمة الاستبدادية. في سوريا، على سبيل المثال، أثناء حكم بشار الأسد، ظهرت أحيانًا لحظات من الارتياح العام الهادئ بعد سقوط أو وفاة شخصيات كانت تعتبر ذات يوم ركائز لا يمكن المساس بها في النظام. وقد ظهرت أنماط مماثلة في أنظمة أيديولوجية أو متشددة أخرى في جميع أنحاء الشرق الأوسط، حيث غالباً ما تظهر الانقسامات الداخلية أولاً داخل قاعدة دعم الحركة الحاكمة قبل أن تصبح مرئية سياسياً.

ومن الممكن أيضاً رؤية ديناميكيات مماثلة تاريخياً بين الفصائل المرتبطة بالثورة الإيرانية بعد عام 1979، وكذلك بين الجماعات السياسية المسلحة في لبنان والعراق، حيث أدت السيطرة المطولة، والخصومات الداخلية، والهياكل الاستبدادية إلى تآكل الثقة تدريجياً حتى بين الموالين التقليديين.

سكان غزة يبحثون عن حياة تتجاوز الأيديولوجية

واليوم في غزة، أصبح هذا التآكل واضحا بشكل متزايد. ولم يعد العديد من السكان يشعرون بأنهم ممثلون بشكل حقيقي من قبل أي فصيل سياسي. وحتى أولئك الذين ما زالوا يحتفظون ببعض الولاء التنظيمي أصبحوا أكثر استعداداً لانتقاد قادتهم بشكل علني أو غير مباشر، خاصة بعد الحرب الأخيرة والحجم غير المسبوق من الدمار والتشريد ومعاناة المدنيين.

على المستوى الشخصي، مازلت أذكر لقاء حداد في شوارع جباليا بعد احتجاجات “بدنا نعيش”. قال لي حينها: تريد إسقاط حركة بارك الله فيها؟ أجبته: «لو كانت نتائج حكمك نعمة حقًا، لكان الناس يشكرون الله عليها بالفعل». انتهى الحديث بهدوء، بابتسامة متوترة بدلاً من المواجهة، لكنه ظل بالنسبة لي انعكاساً للفجوة المتسعة بين خطاب القوة والمعاناة اليومية لسكان غزة العاديين.

وفي غزة اليوم، لم يعد الناس يخشون الحرب أو إسرائيل فقط. ويتزايد خوفهم من استمرار الواقع السياسي نفسه دون تغيير. لسنوات عديدة، اعتقد العديد من سكان غزة أن إسرائيل تفضل بقاء حماس في السلطة كجزء من استراتيجية إدارة الصراع. وقد أدى اغتيال كبار الشخصيات العسكرية في حماس إلى تعقيد هذا التصور. ومع ذلك، بالنسبة للناس العاديين، لم يعد السؤال المركزي هو من يقتل من، بل من يستطيع إعادة بناء حياة طبيعية وسط الدمار الذي لا نهاية له.

لا يبحث سكان غزة اليوم عن نصر أيديولوجي آخر. إنهم يبحثون عن نهاية للانهيار الدائم. إنهم يريدون قيادة مدنية قادرة على إعادة بناء المجتمع بدلاً من مجرد إدارة الصراع. إنهم يريدون مدارس بلا خوف، ووظائف بلا تبعية، وأسراً قادرة على العيش دون نزوح مستمر.

ولهذا السبب فإن جنازة حداد قد تمثل في نهاية المطاف أكثر من مجرد وفاة قائد عسكري. وقد يعكس ذلك نقطة تحول اجتماعية وسياسية أعمق داخل غزة ذاتها، وهو ما يشير إلى أن الخوف يضعف ببطء، وأن الولاء الفصائلي التقليدي يتآكل، وأن العديد من سكان غزة، على الرغم من كل شيء، بدأوا في البحث عن مستقبل مختلف، حتى ولو ظل شكله غير مؤكد.



Source link

صلاح الحيدري

يُعدّ صلاح الحيدري أحد أبرز الأسماء في مجال الصحافة الرقمية والإعلام الإخباري في العالم العربي. بفضل خبرته الطويلة في العمل الصحفي وإدارته لفرق تحرير متعددة، استطاع أن يرسّخ مكانته كأحد القيادات التحريرية التي تجمع بين المهنية العالية والرؤية الإعلامية الحديثة. يشغل صلاح الحيدري منصب رئيس التحرير في هذا الموقع الإخباري، حيث يشرف على السياسة التحريرية العامة ويقود فريقًا من الصحفيين والمحررين لضمان تقديم محتوى إخباري موثوق ودقيق للجمهور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى