تقـاريـر يمنيــــة

اليمن والسعودية: صفقة لبيع سيادة الجيش اليمني

بقلم صدام العزاني

ما يحدث في اليمن لم يعد من الممكن وصفه بلغة دبلوماسية ناعمة أو بعبارات مراوغة مثل “اختلالات” أو “تحديات”.

نحن أمام واقع أكثر وضوحا بكثير: قيادة سياسية وعسكرية قررت عن وعي بيع أحد أخطر مفاتيح بيانات الدولة العسكرية إلى المملكة العربية السعودية، من خلال القبول بأن يكون مركز بيانات الجيش اليمني في الرياض، مقابل شيء واحد فقط: “البقاء في السلطة، ولو على أنقاض السيادة”.

إن مسألة تسليم البيانات البيومترية والشخصية للعسكريين وربطها بأنظمة خارجية ليست زلة فنية أو سوء تقدير. وهو عمل سياسي مكتمل الأركان يرقى إلى مستوى الخيانة الصريحة. ومن يسلمون الخرائط البشرية والتنظيمية لجيشهم لا يخطئون، بل يستسلمون. ومن يتنازل على هذا المستوى لا يمكن اعتباره أوصياء على الدولة، بل شركاء في تفكيكها وبيعها «بالبايت».

إن القيادة التي من المفترض أن تكون مسؤولة عن الأمن القومي تصرفت كوسيط للبيانات، وليس كصانع قرار سيادي. فهي لم تعد تحمي المؤسسة العسكرية، بل وضعتها على طاولة خارجية مكشوفة بالكامل، وقابلة للقراءة، والتحليل، والاستغلال. ما نوع الجيش الذي يدير معلوماته من خارج حدوده؟ وأي دولة تقبل أن يصبح عمودها الفقري ملفا مخزنا على خوادم أجنبية؟

الجواب واضح وصادم: إنها ليست دولة، بل إنها بنية سلطة هشة مستعدة لبيع كل شيء في مقابل إطالة عمرها السياسي.

إن ما حدث لا يمكن تبريره بحجج «التأييد» أو «الضرورة».

إنها أعذار مستهلكة تستخدم لإخفاء واقع أكثر إزعاجا: النخبة الحاكمة التي ربطت بقاءها الشخصي بالنفوذ الخارجي، واختارت إثبات ولائها من خلال تسليم مفاتيح الجيش. ولم يعد الولاء للوطن هو معيار التقدم، بل هو درجة الاستعداد للخضوع.

وفي هذا السياق تتحول القيادة اليمنية من سلطة عاجزة إلى سلطة متواطئة في إنتاج التبعية.

ولم تضطر إلى السير في هذا الطريق بقدر ما اختارته، لأنها رأت فيه ضمانة لبقائها. وهذا أخطر من الضعف نفسه، لأنه يضفي على فعل التنازل طابعا نظاميا، وليس ظرفيا.

أما السعودية فلا يمكن إخراجها من دائرة المسؤولية السياسية والأخلاقية. ولا يبدو أن ما يحدث مجرد «إدارة ملفات»، بل إعادة هيكلتها عبر أدوات محلية تابعة.

ولا يتم ممارسة التأثير هنا من خلال الدعم فحسب، بل من خلال هندسة النخب “لتعيين وتمكين والحفاظ على الشخصيات التي يكمن ولاءها للخارج أكثر من وطنهم”.

وبهذا المعنى، لم تعد العلاقة علاقة تحالف، بل أصبحت شكلاً مقنعاً من أشكال الوصاية، حيث تتم إدارة الروافع الحساسة من خلال شخصيات مختارة بعناية لضمان الطاعة، وليس الكفاءة، وترسيخ التبعية، وليس الشراكة.

وهو ما يجعل الدور السعودي يتجاوز مجرد النفوذ إلى السيطرة، ويحول «دعم الشرعية» إلى عملية إعادة تعريفها وفق موازين القوى، وليس مبدأ السيادة.

ولا يكمن الخطر في امتلاك البيانات فحسب، بل في القدرة على استخدامها كلما تغيرت المصالح.

إن التاريخ السياسي للمنطقة مليء بالأمثلة حيث أصبحت المعلومات أدوات للضغط، وأدوات للابتزاز، ومفاتيح لإعادة تشكيل المشهد بأكمله. ويتجلى هذا الآن في إنشاء تشكيلات عسكرية جديدة ذات ولاءات خارجية مطلقة، مما يضع فعلياً القوة العسكرية بأكملها تحت إدارة خارجية واحدة.

والأخطر من كل هذا هو الصمت. لا شفافية ولا رقابة ولا محاسبة وكأن ما يحدث شأن إداري داخلي وليس أمراً يمس جوهر الدولة. هذا الصمت ليس حياداً؛ وهو غطاء سياسي يسمح بتمرير أخطر صفقة غير معلنة في تاريخ اليمن الحديث: “بيع السيادة مقابل البقاء”.

وفي عالم اليوم، لم تعد السيادة تقاس فقط بمن يسيطر على الأرض، بل بمن يسيطر على البيانات. ومن خلال هذه القرارات، يتخلى اليمن طوعاً عن هذا الشكل الجديد من السيادة، ليس تحت ضغط الاحتلال المباشر، ولكن تحت إدارة نخبة اختارت العمل كوسيط وليس كدولة.

الاستنتاج القاسي هو أن ما حدث لا يمكن وصفه بالتعاون، بل بالبيع. ليس دعماً، بل إعادة هيكلة لموازين القوى على حساب الدولة. القيادة التي وقعت على ذلك ستُسجل في الذاكرة السياسية ليس كحامية للوطن، بل كحزب شارك في تفكيكه وبيعه، وفتح أبوابه من الداخل.

Source link

صلاح الحيدري

يُعدّ صلاح الحيدري أحد أبرز الأسماء في مجال الصحافة الرقمية والإعلام الإخباري في العالم العربي. بفضل خبرته الطويلة في العمل الصحفي وإدارته لفرق تحرير متعددة، استطاع أن يرسّخ مكانته كأحد القيادات التحريرية التي تجمع بين المهنية العالية والرؤية الإعلامية الحديثة. يشغل صلاح الحيدري منصب رئيس التحرير في هذا الموقع الإخباري، حيث يشرف على السياسة التحريرية العامة ويقود فريقًا من الصحفيين والمحررين لضمان تقديم محتوى إخباري موثوق ودقيق للجمهور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى