وتتهم الولايات المتحدة الجيش السوداني باستخدام الأسلحة الكيميائية

باريس – دخلت أزمة السودان مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والدبلوماسي بعد أن اتهمت الولايات المتحدة رسميًا الحكومة السودانية والقوات المسلحة السودانية باستخدام الأسلحة الكيميائية خلال الصراع المستمر ضد قوات الدعم السريع. ورفضت الخرطوم هذه المزاعم ووصفتها بأنها “كاذبة” و”أحادية الجانب”، بينما أعلنت واشنطن عن جولة جديدة من العقوبات بموجب القانون الأمريكي لمراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الحرب.
خلفية الادعاءات
وينبع الخلاف من قرار اتخذته وزارة الخارجية الأمريكية في أبريل 2025، وخلص إلى أن الحكومة السودانية استخدمت الأسلحة الكيميائية خلال عام 2024 في انتهاك للقانون الدولي واتفاقية الأسلحة الكيميائية. تم نشر القرار رسميًا في السجل الفيدرالي الأمريكي في يونيو 2025، مما يوفر الأساس القانوني لفرض جولة أولية من العقوبات على السودان.
وبموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الحرب لعام 1991، تصبح أي دولة تستخدم الأسلحة الكيميائية عرضة لعقوبات إلزامية. وقد يتم فرض عقوبات إضافية إذا فشلت الحكومة في تقديم الضمانات أو الوفاء بالشروط القانونية المطلوبة بموجب القانون الأمريكي.
لماذا فرضت واشنطن عقوبات إضافية؟
وفي يوليو/تموز 2026، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن السودان فشل في تلبية المتطلبات القانونية اللازمة لتجنب المرحلة الثانية من العقوبات.
وتشمل التدابير الجديدة ما يلي:
- معارضة الولايات المتحدة للقروض أو المساعدات المالية أو الدعم الفني للسودان من البنك الدولي والمؤسسات المالية الدولية الأخرى.
- توسيع القيود المفروضة على صادرات التكنولوجيات الحساسة والمواد ذات الاستخدام المزدوج.
- قيود إضافية على الطيران الحكومي السوداني، بما في ذلك القيود المفروضة على شركات الطيران التي تديرها الحكومة داخل الولايات المتحدة.
الأدلة التي استشهدت بها واشنطن
ووفقا لتقارير سابقة لوسائل إعلام أمريكية نقلا عن مسؤولين أمريكيين، فإن العامل الكيميائي المشتبه في استخدامه خلال العمليات العسكرية عام 2024 هو غاز الكلور. ومع ذلك، لم تنشر حكومة الولايات المتحدة علناً أدلة فنية أو نتائج تحقيق مستقل.
وذكرت واشنطن أن قرارها استند إلى ما وصفته بتقييم استخباراتي وفني مستقل، على الرغم من عدم الكشف عن التفاصيل علنًا.
السودان دولة طرف في اتفاقية الأسلحة الكيميائية، التي تحظر تطوير وإنتاج وتخزين ونقل واستخدام الأسلحة الكيميائية.
إذا تم تأكيد هذه الادعاءات في نهاية المطاف من خلال تحقيق دولي مستقل، فإنها يمكن أن تؤدي إلى:
- التحقيقات التي تجريها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
- إمكانية إحالة القضية إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بشرط التوصل إلى توافق سياسي.
- عقوبات إضافية من قبل الدول الفردية أو المنظمات الدولية.
- زيادة الضغوط الدبلوماسية والقانونية على الحكومة السودانية.
التأثير على الحرب في السودان
وتأتي هذه المزاعم في وقت يتواصل فيه القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بينما تصف الأمم المتحدة الأزمة الإنسانية في السودان بأنها واحدة من أخطر الأزمات في العالم.
ويعتقد المحللون أن العقوبات الأمريكية الأخيرة يمكن أن:
- المزيد من عزل السودان سياسياً واقتصادياً.
- تعقيد جهود إعادة الإعمار والحصول على التمويل الدولي.
- تقييد واردات التقنيات الحساسة والمعدات ذات الاستخدام المزدوج.
- زيادة الضغوط الغربية على الأطراف المتحاربة للدخول في مفاوضات سياسية.
التداعيات على العلاقات بين الولايات المتحدة والسودان
وتمثل الإجراءات الأخيرة إحدى أخطر نقاط التوتر بين الخرطوم وواشنطن منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023.
وفرضت الولايات المتحدة بالفعل عقوبات على أفراد وشبكات مرتبطة بكل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بحجة أن كلا الجانبين يتحمل المسؤولية عن إطالة أمد الصراع. وقررت واشنطن أيضًا أن الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في دارفور ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
وعلى الرغم من أنه من المتوقع أن تؤدي العقوبات إلى زيادة الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية على السودان، إلا أن العديد من المراقبين يقولون إنها من غير المرجح أن تنهي الصراع بمفردها، نظرا لاستمرار المواجهة العسكرية، والخصومات الإقليمية، والمصالح الدولية المتنافسة. وبدون تسوية سياسية شاملة، من المتوقع أن تستمر الحرب، مع بقاء المدنيين الضحايا الرئيسيين لعواقبها الإنسانية والاقتصادية.
مخاوف غربية من عودة الشبكات المتطرفة
وتقول مصادر دبلوماسية غربية ومؤسسات بحثية إن الصراع المستمر أحيا المخاوف من أن الحركات الإسلامية قد تستعيد نفوذها داخل مؤسسات الدولة السودانية. يرى بعض الباحثين أن الشخصيات المرتبطة بالحركة الإسلامية في السودان – بما في ذلك الأفراد المرتبطين بجماعة الإخوان المسلمين – لا تزال تتمتع بنفوذ داخل أجزاء من جهاز الدولة والقيادة العسكرية، على الرغم من أن القوات المسلحة السودانية ترفض مثل هذه الادعاءات وتصر على أنها مؤسسة وطنية مستقلة.
ويشير المراقبون إلى أن هذه المخاوف متجذرة ليس فقط في الصراع الحالي ولكن أيضًا في الإرث التاريخي للسودان خلال التسعينيات، عندما أصبحت البلاد مركزًا للعديد من المنظمات الإسلامية المتطرفة. خلال تلك الفترة، عاش زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن في السودان بين عامي 1991 و1996، وأنشأ مشاريع تجارية وشبكات مالية ساعدت في دعم البنية التحتية اللوجستية للمنظمة قبل الانتقال إلى أفغانستان.
ويخشى المسؤولون الأمنيون الغربيون من أن يؤدي استمرار الحرب وتآكل مؤسسات الدولة إلى خلق ظروف قد تستغلها الجماعات المتطرفة لإعادة بناء الشبكات التشغيلية والمالية في السودان والقرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر.
ووفقاً للمحللين، تساعد هذه المخاوف الأمنية في تفسير نهج واشنطن المتشدد تجاه السودان. ويقولون إن مخاوف الولايات المتحدة تمتد إلى ما هو أبعد من مزاعم الأسلحة الكيميائية لتشمل مخاوف أوسع من أن تقوم الشبكات الإسلامية المتطرفة مرة أخرى بتوسيع نفوذها داخل المؤسسات السودانية، مع ما يترتب على ذلك من عواقب محتملة على الأمن الإقليمي والمصالح الاستراتيجية الغربية.