العـــرب والعالــم

قد يعتمد مستقبل إسرائيل الدبلوماسي على مستشارها الأمني ​​القادم

ذات يوم، لخص لي أحد كبار الدبلوماسيين العلاقات الخارجية لإسرائيل في أربع كلمات فقط: “الصالح يتحسن؛ والأمر السيئ يتدهور”. وتلخص هذه الملاحظة الحادة استقطاباً استراتيجياً متسارعاً: فبينما تزداد قوة تحالفات إسرائيل الحيوية ومصالحها المشتركة، فإن التحديات التي تواجهها على الساحة العالمية تزداد حدة وبوتيرة مثيرة للقلق.

تاريخياً، كان تعريف إسرائيل يستند إلى براعتها العسكرية ـ أو “خيرها” الذي لا يمكن إنكاره. منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر)، تم صقل هذه الميزة إلى تفوق عملياتي غير مسبوق، مما يثبت أنه لا توجد مهمة أمنية بعيدة عن متناول البلاد. ولكن في الوقت نفسه، عانى “سيئنا” ــ عالم السياسة الخارجية والدبلوماسية العامة ــ من انهيار منهجي، فهبط إلى أدنى مستوياته تاريخيا.

ولم تكن إسرائيل قط محبوبة لدى المجتمع الدولي. ومع ذلك، في الماضي غير البعيد، كان سلكنا الدبلوماسي يمتلك القدرة على المناورة والأدوات اللازمة للرد. واليوم، بعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات على الهجوم الوحشي الذي شنته حماس، نكتشف العمق المرعب للهاوية الدبلوماسية التي نعيش فيها.

إن هذه الأزمة ليست خللاً مؤقتاً؛ إنه تتويج لعقود من التآكل، وهو جهد محسوب لا يكل من قبل الدول المعادية والكيانات المناهضة لإسرائيل لوضع الأساس لعزلتنا الحالية. وأصبحت الأزمة حادة بشكل خاص نظراً لتآكل الدعم داخل الولايات المتحدة ــ وهو الاتجاه المثير للقلق الذي نزف منذ فترة طويلة من اليسار التقدمي إلى قلب المؤسسة الجمهورية.

الشرطة تحرس بعد إلغاء مباراة الدوري الإسرائيلي الممتاز بين هبوعيل تل أبيب ومكابي تل أبيب في ملعب بلومفيلد في تل أبيب، في 19 أكتوبر، 2025. (FLASH90)

إن فشل الدبلوماسية العامة والعزلة الدولية ليسا حكم القدر؛ بل هي نتيجة مباشرة لإغفال سياسي صارخ. أشار تقرير مراقب الدولة الأخير بإصبع الاتهام إلى الفوضى التنظيمية وانعدام التزامن التام بين مكتب رئيس الوزراء ووزارة الخارجية ووحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي.

وفي ظل هذا الفراغ القيادي، يصبح دور رئيس مجلس الأمن القومي حاسماً بشكل صارخ. بموجب القانون، هذا الشخص مكلف بدمج الإستراتيجية الوطنية وربط النقاط.

ويؤدي هذا إلى نتيجة لا يمكن إنكارها: بغض النظر عن نتائج الانتخابات المستقبلية أو من يجلس على كرسي رئيس الوزراء، فإن الرئيس القادم لمجلس الأمن القومي يجب أن يكون رجل دولة كبير يتمتع بخبرة دبلوماسية عميقة. وباعتبارهم الفرد المسؤول عن تشكيل السياسة الخارجية وسياسة الأمن القومي، وإدارة أزمات إسرائيل كمستشار للأمن القومي، فلابد وأن يجلبوا إلى طاولة صنع القرار الحكمة الاستراتيجية التي نفتقر إليها بشدة.

إن انتشال إسرائيل من هذه الهاوية الدبلوماسية، أو إحداث تغيير جذري في النموذج العالمي فيما يتعلق بمكانتنا في العالم، سيكون واحداً من أكثر التحديات تعقيداً في عصرنا. هذه ليست مهمة بسيطة. إنه إصلاح عميق لمجال تم إهماله لعقود من الزمن.

وسوف يتطلب الأمر إعادة هيكلة كاملة لدبلوماسيتنا ودعواتنا: من الاستفادة من الإنجازات العسكرية من خلال نشر “القوة الناعمة”، إلى تفكيك وإعادة تجميع مصفوفة المصالح الإسرائيلية في مواجهة التحالفات العالمية المتغيرة وحرب المعلومات.

إسرائيل كأصل عالمي

خلال السنوات التي قضيتها كمستشار سياسي في السفارة البريطانية في إسرائيل، بذلت قصارى جهدي لكي يرى الدبلوماسيون الأجانب إسرائيل كما نراها: شعب مرن، واقتصاد قوي، وأمة تجلب، على الرغم من تعقيداتها، قيمة فكرية وعملياتية هائلة إلى المسرح العالمي. طوال فترة ولايتي، التزمت بمبدأ أساسي واحد: لم أطلب موافقتهم؛ لقد ناضلت من أجل فهمهم.

وهنا على وجه التحديد يكمن التحول الأكثر خطورة في السنوات الأخيرة. الخلاف مشروع؛ حتى أقرب الحلفاء يختلفون في بعض الأحيان. ولكن عندما يتوقف حلفاؤنا عن فهمنا، عندها ينهار الوضع حقاً. ويجب على رئيس مجلس الأمن القومي القادم أن يصمم خارطة طريق استراتيجية استباقية لوقف هذا الانجراف الخطير.

ويجب أن تترجم هذه الخطة المصالح الأساسية لإسرائيل إلى لغة يمكن للعالم أن يفهمها، وتحول قوتنا الوطنية إلى رصيد دبلوماسي. والشرط الأساسي لنجاحها هو التزامن المطلق بين جميع فروع التنفيذ والاتصالات، مما يؤدي إلى تعظيم النفوذ الإسرائيلي على جميع الجبهات.

لقد حان الوقت للاعتراف بأن السياسة الخارجية لم يعد من الممكن أن تظل بمثابة “الأخت الصغرى” للمؤسسة الدفاعية. ودورها ليس دفاعيا فحسب، بل هو إنشاء وبناء الجسور. وفي عالم ديناميكي يشهد تحولات عميقة تعمل على إعادة تشكيل التحالفات العالمية، يتعين على الرئيس المقبل لمجلس الأمن القومي أن يستوعب أن إسرائيل تحتاج إلى سياسة خارجية أكثر جرأة ووضوحاً وقائمة على المصالح.

ويتعين علينا أن نستفيد من شراكاتنا الاستراتيجية القوية ــ كما هو الحال مع الهند، والإمارات العربية المتحدة، بل وحتى أرض الصومال ــ في حين نعمل بحكمة على استعادة العلاقات مع الجهات الفاعلة التقليدية التي أصبحت باردة، مثل الاتحاد الأوروبي.

علاوة على ذلك، سيحتاج رئيس مجلس الأمن القومي إلى دعم “دبلوماسية الابتكار” باعتبارها ركيزة أساسية للأمن القومي الحديث. وهذا يعني تحويل قدرات إسرائيل العلمية والتكنولوجية إلى نفوذ دبلوماسي واستراتيجي في ظل التحالفات العالمية الناشئة. عندما تقدم إسرائيل للعالم حلولاً متقدمة في الذكاء الاصطناعي، والدفاع السيبراني، وتكنولوجيا المياه، والفضاء، فإنها تخلق ترابطًا استراتيجيًا إيجابيًا يخدم مصالحنا الأمنية العليا.

إن الشراكة المبنية على المصالح التكنولوجية والدفاعية هي التي ستذيب جهود العزلة التي يبذلها خصومنا. بل ستضمن سلاسل التوريد الاستراتيجية، وتعميق التعاون الاستخباراتي والعملياتي، وتثبت لعالم الغد أن إسرائيل تمثل رصيدا عالميا ومرساة أمنية لا يمكن التخلص منها ببساطة.

لقد أثبتت إسرائيل مراراً وتكراراً أنها تعرف كيف تستعرض قوتها العسكرية. والآن، وبالنظر إلى إسرائيل عام 2048، يتعين عليها أن تثبت قدرتها على ترجمة تلك القوة إلى نفوذ، وشرعية، ومكانة دولية دائمة.

وهذا هو الاختبار الجيوسياسي الأعظم للسنوات المقبلة، ولابد أن يكون في قلب مهمة مستشار الأمن القومي المقبلة.

الكاتب هو مدير الاتصالات في وزارة الاتصالات، وهو مستشار سياسي سابق لسفارة المملكة المتحدة في تل أبيب.



Source link

صلاح الحيدري

يُعدّ صلاح الحيدري أحد أبرز الأسماء في مجال الصحافة الرقمية والإعلام الإخباري في العالم العربي. بفضل خبرته الطويلة في العمل الصحفي وإدارته لفرق تحرير متعددة، استطاع أن يرسّخ مكانته كأحد القيادات التحريرية التي تجمع بين المهنية العالية والرؤية الإعلامية الحديثة. يشغل صلاح الحيدري منصب رئيس التحرير في هذا الموقع الإخباري، حيث يشرف على السياسة التحريرية العامة ويقود فريقًا من الصحفيين والمحررين لضمان تقديم محتوى إخباري موثوق ودقيق للجمهور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى