إقتصــــاد

الحقيقة الأبوية لأحد الأصدقاء لم تصدمني حتى ذهب ابني إلى المخيم

عندما حملت للمرة الأولى منذ أكثر من 15 عامًا، عرض عليّ أحد الأصدقاء كلمات لم أنساها أبدًا: “إنجاب الأطفال يشبه أن يتجول قلبك خارج جسدك”. كانت كلماته لطيفة، لكنني لم أفهمها بالكامل بعد.

عندما ولد ابني، تجسدت هذه الكلمات في الحياة، ولكن كأم ربة منزل، لم يكن يغامر بعد بالخروج من ناظري، لذلك كنت أعلم أنه آمن وبصحة جيدة في الوقت الحقيقي. لقد رزقنا بطفل آخر بعد بضع سنوات، ومع نمو أولادي، كانت هذه الكلمات ترد إلي كثيرًا.

لقد افتقدت ابني بطريقة جديدة تمامًا عندما كان في معسكر النوم

كان ابني البالغ من العمر 15 عامًا يذهب إلى معسكر النوم لمدة خمسة فصول صيف. عند النزول، أقول وداعًا بعناق وأتمسك بهذا الشعور بوجوده بين ذراعي حتى نجتمع معًا مرة أخرى. نزلت أنا وزوجي التل في سيارتنا، وبقيت قطعة مني في الجبال. لمدة أربعة أسابيع، أمضي في حياتي أتساءل عما يفعله، وما إذا كان ينظف أسنانه ويأكل خضرواته، وما إذا كان سعيدًا بوجوده على بعد أميال عديدة من المنزل. في كل مكان أذهب إليه، تتبعني أفكاره، وهي تذكير بأنني لست كاملاً بدونه.

منذ صيفه الأول عندما احترقت قاعة الطعام بشكل غير متوقع وسويت بالأرض في اليوم الثالث، مما أدى إلى نشر أخبار وطنية وإشعال قلق أمومي لم أعرفه من قبل، وصولاً إلى هذا الصيف عندما لم يكن لدي أي شك في أنه سيحب كل لحظة، أصبح قول الوداع أسهل مع مرور الوقت.

لم أعد أشعر بالقلق إذا كان سعيدًا أو إذا كان يعرف كيفية سحب الملاءة المثبتة على زوايا سريره، لأنه أصبح أكثر نضجًا الآن، وأصبح المخيم مكانه المفضل على الأرض. ولكن في حين أن يوم التسليم قد تغير، فإن يوم الاستلام لم يتغير. لا يزال الأمر سحريًا كما كان دائمًا.

يوم الاستلام سحري

بالأمس، وصلت أنا وزوجي إلى الجناح الذي تم فيه تحميل صندوق ابني في سيارتنا، وبينما كنا نسير أعلى التل باتجاه الكبائن، عاد الشعور الذي ينتابني كل صيف في يوم التسليم. لقد حاربت الدموع السعيدة التي كانت تذرف في عيني لأنه لا يوجد مراهق يرغب في تعريف أصدقائه بأمه الباكية. لقد لعبت الأمر بشكل رائع بالنسبة له، ولكن في الداخل كنت متوهجًا.

بعد أن عشت شهرًا مع قطعة من قلبي على بعد أميال عديدة ولم يكن هناك سوى صور تتحدث عن سلامته (كتبنا إليه، لكن الردود منه كانت نادرة)، فإن لم شمله يشبه استعادة تلك القطعة المفقودة من نفسي.

توقفنا في حقل بين المعسكر السفلي والعلوي وبدأنا في السير نحو مقصورته. كما هو الحال دائمًا، كان المشاركون في المخيم يستمتعون بلحظاتهم الأخيرة معًا، ويستذكرون المناسبات المؤثرة جدًا لدرجة أنها ظلت محفورة في ذاكرتهم مدى الحياة. تجولت عيناي ذهابًا وإيابًا من سطح الكابينة إلى سطح الكابينة، بحثًا بفارغ الصبر عن ذلك الوجه المألوف الذي كنت أفتقده.

ثم، كان هناك، القطعة الغائبة من لغزي. لقد مرت خمس سنوات – وقد كبر كثيرًا – ولكن بطريقة ما، تبدو لحظة لم الشمل هذه وكأنها المرة الأولى التي ركض فيها نحوي في مدرسة ما قبل المدرسة. لا يوجد ركض – وأنا أكثر حماسًا منه، هذه المرة – لكن وجوده معي مرة أخرى يعيدني إلى توازني.

لقد لف ابني المراهق الكبير والقوي ذراعيه حولي. وفي تلك اللحظة، أدركت أنه لا يوجد شيء أفضل من احتضان طفلك في يوم الاستلام. إنه يجعل كل نوبة غضب طفل صغير وانهيار في سن المراهقة يستحق كل هذا العناء. ذلك العناق يذيب كل خلاف بين الأم والابن، وفي كل مرة كان يريدني على مسافة لأنه كان يعتبرني محرجاً. إنه يذكر كلا منا أنه بغض النظر عن عمره، فسوف أكون دائمًا هناك لأعود إليه.

تلك الكلمات التي سمعتها منذ سنوات تبدو صحيحة

تلك الكلمات التي قالها لي صديقي قبل ولادة ابني كانت دقيقة. لقد شعرت بها في اليوم الذي تركته فيه في مرحلة ما قبل المدرسة للمرة الأولى وفي اليوم الذي أوصلناه فيه إلى معسكر النوم لقضاء صيفه الأول. لكنها أصبحت واضحة تمامًا عندما تلقيت عناقي الأول في يوم الاستلام. قلبي الذي كان يتجول خارج جسدي، عاد أخيرًا إلى صدري. وأمس شعرت بذلك مرة أخرى.

سيبدأ ابني المدرسة الثانوية هذا العام، وينمو بشكل أسرع مما توقعت. أعلم أن كل لحظة من سنوات دراسته الثانوية لن تكون سهلة، ولكن لا يزال لدي عدد قليل من العناق في المخيم لأتطلع إليه. وهذا يجعل صعود وهبوط الأمومة يستحق كل هذا العناء.

صلاح الحيدري

يُعدّ صلاح الحيدري أحد أبرز الأسماء في مجال الصحافة الرقمية والإعلام الإخباري في العالم العربي. بفضل خبرته الطويلة في العمل الصحفي وإدارته لفرق تحرير متعددة، استطاع أن يرسّخ مكانته كأحد القيادات التحريرية التي تجمع بين المهنية العالية والرؤية الإعلامية الحديثة. يشغل صلاح الحيدري منصب رئيس التحرير في هذا الموقع الإخباري، حيث يشرف على السياسة التحريرية العامة ويقود فريقًا من الصحفيين والمحررين لضمان تقديم محتوى إخباري موثوق ودقيق للجمهور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى