العـــرب والعالــم

عندما تتطلب المعجزات الشجاعة: قراءة أخلاقية للخروج في عصرنا

هناك لحظات في التاريخ يبدو فيها الواقع ذاته متصدعا ــ عندما يذوب المألوف، وتضطر البشرية إلى مواجهة حدود الخوف، والقوة، والأمل. قصة الخروج مستمرة. غالبًا ما يتم تذكرها على أنها سلسلة من المعجزات الإلهية: الأوبئة، والتحرير، وتقسيم البحر الأحمر.
ولكن ربما يكون السؤال الأعمق ليس ما الذي حدث حينها، بل ما هي المعجزة حقًا؟

يقدم الشاعر الإسرائيلي يهودا عميحاي فكرة مذهلة:

من بعيد كل شيء يبدو وكأنه معجزة،
ولكن عن قرب، حتى المعجزة لا تبدو كذلك.
حتى من عبر البحر الأحمر عندما انشق
لم ير سوى ظهر الشخص الذي يسير أمامه متعرقًا
وحركة رجليه الكبيرتين.

يذكرنا عميحاي أن المعجزات، عندما نعيشها من الداخل، لا تبدو غير عادية. إنهم يشعرون بالمثابرة. مثل التحمل. مثل التحرك للأمام تحت الضغط.

وتدعونا هذه الرؤية إلى إعادة قراءة سفر الخروج ليس فقط كتدخل إلهي، بل كقصة إنسانية عميقة ــ قصة تشكلت بالشجاعة الأخلاقية والمقاومة والفاعلية.
وفوق كل هذا، نحتاج إلى الروح.

وهنا يجب أن نعود إلى افتتاحية سفر الخروج. إنه كتاب انتقال: من الأسرة إلى الأمة، من العبودية إلى الحرية، من الصمت إلى الصوت. لكنها لا تبدأ بالحلول. يبدأ بسؤال فلسفي: كيف يولد الوعي الأخلاقي في واقع القوة والعنف واليأس؟

إن فلسفة التعليم تولد دائمًا في مثل هذه اللحظات العتبية. ويتساءل كيف يتصرف البشر – وخاصة المعلمون – ضمن أنظمة السلطة. كيف يمارسون الوكالة والمسؤولية والشجاعة الأخلاقية.

“الخروج من مصر” لآرثر شيك، باريس، 1924. بإذن من هيستوريكانا، بورلينجيم، كاليفورنيا. (الائتمان: آرثر سزيك)

وفي هذا السياق، لا تظهر نساء مصر كشخصيات هامشية، بل كعوامل مركزية للتحول. ولا يملكون سلطة رسمية. ومع ذلك فإنهم يعيدون تشكيل التاريخ من خلال الفكر والكلام والعمل.
وهذا يدعو إلى قراءة فلسفية نسوية.

ثلاثة أنواع من الاستجابة

في بحثي حول الفاعلية النسوية الدينية، حددت ثلاثة أنواع من الاستجابة داخل الأنظمة الأبوية. الأول هو النسوية الأبوية، التي تتميز بالامتثال الخارجي للسلطة. والثاني هو نسوية المساومة، حيث تتفاوض النساء داخل النظام، ويعيدن تشكيله بمهارة من الداخل. والثالث، الذي تصورته كمساهمة نظرية متميزة، هو تحدي الحركة النسوية.

إن تحدي الحركة النسوية لا يكسر النظام، ولا يقبله بشكل سلبي. يمتد ذلك. فهو يواجه السلطة بشكل مباشر، ويقول الحقيقة، ويعمل ضد الأعراف الظالمة ــ في حين يظل ضمن الإطار الاجتماعي والأخلاقي.
يقدم هذا التصنيف عدسة قوية يمكن من خلالها فهم نساء الخروج.

تقف القابلتان العبرانيتان شيفرة وفوعة أمام فرعون ــ التجسيد المطلق للسلطة الأبوية ــ وترفضان أمره. ومقاومتهم ليست شخصية فحسب؛ إنها نشطة ومتعمدة وشجاعة. تتحدى ميريام يأس والدها، وتعيد صياغة الواقع من خلال الحجة الأخلاقية. إن نساء إسرائيل يحافظن على الحياة نفسها في ظل ظروف تهدف إلى إطفائها.

هذه ليست أرقام سلبية.

إنهم وكلاء لما يمكن أن نسميه الآن النسوية الصعبة.

ولا ينتظرون انشقاق البحر.

يسيرون نحوها.

وربما هذا هو المعنى الحقيقي للمعجزة: ليس فقط اللحظة التي ينشق فيها الماء، بل قرار الإنسان بمواصلة المضي قدمًا.

وبهذا المعنى، فإن الخروج ليس مجرد قصة خلاص إلهي، بل قصة شجاعة بشرية. قصة تلعب فيها المرأة دورًا حاسمًا وتكوينيًا.

اليوم، في إسرائيل، نعيش لحظة عتبة خاصة بنا. واقع يتسم بعدم اليقين والخطر والإلحاح الأخلاقي. وفي هذا الواقع، ينشأ فهم جديد للمعجزة.

إن مواصلة الحياة اليومية تحت التهديد هو معجزة.

إن الاستعداد للسبت وعيد الفصح وسط عدم الاستقرار هو معجزة.

إن دعم الأسر، وتعليم الأطفال، والحفاظ على الشعور بالاستمرارية ــ وهذا أيضاً معجزة.
ليس لأنه يعلق قوانين الطبيعة بل لأنه يتجاوز منطق الخوف. ومرة أخرى تقف المرأة في قلب هذا الواقع. ليس كرموز، بل كممثلين.

في المنازل، وفي الفصول الدراسية، وفي المستشفيات، وفي مجالات صنع القرار والمسؤولية، لا تنتظر النساء أن ينكشف التاريخ – بل إنهن يشكلنه. وهذه ليست مجرد مرونة. إنها وكالة.

إنها الشجاعة للتصرف ضمن القيود، وخلق معنى في الفوضى، وتوسيع حدود ما هو ممكن.

إن الرؤية النسوية هنا عميقة: فالتغيير لا يأتي دائمًا من كسر الأنظمة؛ بل يأتي أيضًا من تحديهم من الداخل – توسيع حدودهم من خلال الوضوح الأخلاقي والعمل.

وكان هذا صحيحا في مصر.

وهذا صحيح اليوم.

المعجزة إذن ليست في الماضي فقط. ولا يقتصر الأمر على شق البحر فقط. إنه في العمل الهادئ والمستمر والحازم للاستمرار للأمام. خطوة بخطوة. حتى عندما لم تنفصل المياه بالكامل بعد.

الكاتب هو رئيس مركز سال فان جيلدر لتعليم وأبحاث المحرقة في جامعة بار إيلان.



Source link

صلاح الحيدري

يُعدّ صلاح الحيدري أحد أبرز الأسماء في مجال الصحافة الرقمية والإعلام الإخباري في العالم العربي. بفضل خبرته الطويلة في العمل الصحفي وإدارته لفرق تحرير متعددة، استطاع أن يرسّخ مكانته كأحد القيادات التحريرية التي تجمع بين المهنية العالية والرؤية الإعلامية الحديثة. يشغل صلاح الحيدري منصب رئيس التحرير في هذا الموقع الإخباري، حيث يشرف على السياسة التحريرية العامة ويقود فريقًا من الصحفيين والمحررين لضمان تقديم محتوى إخباري موثوق ودقيق للجمهور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى