العـــرب والعالــم

ويتعين على إسرائيل أن تدفع حزب الله إلى ما وراء الليطاني لتأمين الشمال

“هل ترى أضواء المجتمع هناك؟ هذه موشاف زرعيت”، همس قائد السرية في الراديو بينما كنا نشق طريقنا المتعب بين صخور لبنان العالية في طريق عودتنا إلى الموقع الاستيطاني. “ولهذا السبب نقوم بنصب هذه الكمائن مرارا وتكرارا في الوديان التي تؤدي إلى المجتمع.”

إن الحدود الشمالية لإسرائيل ليست مجرد خط مرسوم على الخريطة: إنها نقطة التقاء بين رؤيتين متعارضتين للعالم. فمن جهة تقف دولة تسعى إلى العيش في سلام وضمان أمن مواطنيها؛ ومن ناحية أخرى يقف ذراع عسكري للنظام الإيراني هدفه الأساسي هو تهديد وجود تلك الدولة.

بعد حرب لبنان الثانية، أرسى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 مبدأً واضحاً: يجب أن يكون جنوب لبنان خالياً من أسلحة حزب الله. ولكن من الناحية العملية، حدث العكس تماماً تحت أعين الحكومة اللبنانية الساهرة وعين اليونيفيل الغاضبة. أصبحت المنطقة الواقعة بين الحدود الشمالية لإسرائيل ونهر الليطاني منطقة إرهاب إيرانية كثيفة ومتطورة مصممة للتهديد بغزو قاتل للجليل.

وتمركزت عشرات الآلاف من الصواريخ في القرى والوديان، وفي المنازل والمستودعات التي استأجرها سكان جنوب لبنان لحزب الله. وتم نشر أنظمة مضادة للدبابات على طول الطرق المؤدية من هناك إلى الجليل. وتم إنشاء مجمعات متطورة تحت الأرض لقوات الرضوان التابعة لحزب الله، وهي وحدات تم تدريبها للقيام بمهمة واحدة واضحة: التسلل إلى الأراضي الإسرائيلية والاستيلاء على المجتمعات المحلية في شمال إسرائيل.

بمعنى آخر، انهار الترتيب الدولي. وبشكل أكثر دقة، كانت بمثابة كبسولة زمنية سمحت للجماعة الإرهابية بتعزيز نفسها وبناء قوتها العسكرية للحرب القادمة.

جنود إسرائيليون يتجمعون بجوار الدبابات على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع لبنان، في شمال إسرائيل، 17 مارس، 2026. (Credit: AMMAR AWAD/REUTERS)

ولا يزال حزب الله يشكل تهديدا

وحتى الضربات القوية التي تلقاها حزب الله في الحرب الحالية لم تدفعه إلى الخروج من جنوب لبنان أو تدفعه إلى تغيير أهدافه. بل على العكس من ذلك، فقد استمرت في القتال واعتبرت الصراع فرصة لضرب إسرائيل.

إذا كان هناك أي شك قبل 7 أكتوبر فيما يتعلق بالخطر القادم من الشمال، فقد اختفى هذا الشك الآن. لقد أصبح الاستنتاج واضحاً لأي شخص يرغب في رؤية الواقع: ما دام حزب الله موجوداً جنوب نهر الليطاني، فإن التهديد الوجودي لسكان الجليل يظل فورياً وملموساً. إن الأيديولوجية القاتلة التي تدعمها إيران لن تختفي ولن تغير طهران أهدافها، حتى لو تكبدت خسائر عسكرية كبيرة.

وهذا الفهم ليس رؤية فلسفية بل استنتاج عملي. فهو يجبر إسرائيل على أن تحدد بوضوح ما هو الواقع الاستراتيجي الذي يجب أن يكون قائما أثناء الحرب، وما لا يقل أهمية، في اليوم التالي لها.

ما هي الخيارات المتاحة أمام إسرائيل؟

ومن الناحية العملية، تواجه إسرائيل خيارين.

الأول، الاستمرار في إدارة جولات الصراع الدورية مع التنظيم الإرهابي الذي يعزز نفسه بين الحروب، مع محاولة تمديد الفترة بين كل مواجهة. وهذا الخيار يحافظ بشكل فعال على واقع السنوات الأخيرة ويضفي الشرعية عليه، وهو الواقع الذي مكّن حزب الله من التعافي والتوسع والنمو بشكل أقوى.

أما الخيار الثاني فيتلخص في تغيير الواقع الجغرافي والعسكري من خلال دفع حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني وإزالة القرى الواقعة في المنطقة الواقعة بينه وبين الحدود الشمالية لإسرائيل، وبالتالي الحد بشكل كبير من خطر الغزو البري للجليل.

يمثل نهر الليطاني حدوداً طبيعية ذات أهمية طوبوغرافية واضحة. ويمتد النهر، وهو أطول نهر في لبنان، من الشرق إلى الغرب ويشكل حاجزا طبيعيا بين جنوب لبنان وبقية البلاد.

إن إنشاء منطقة أمنية حتى نهر الليطاني ليس طموحاً إقليمياً: بل هو ضرورة أمنية أساسية نتجت عن العجز المؤكد للجيش اللبناني واليونيفيل عن مراقبة المنطقة وتنفيذ القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وكان المنطق نفسه هو الذي وجه استيلاء إسرائيل على مرتفعات الجولان خلال حرب الأيام الستة، بعد سنوات هاجمت فيها القوات السورية بشكل متكرر مجتمعات مثل دغانيا وغيرها من المستوطنات في المنطقة. إن العمق الدفاعي في جنوب لبنان من شأنه أن يقلل بشكل كبير من خطر الهجوم المفاجئ على سكان الجليل.

إلى جانب إنشاء حدود يمكن الدفاع عنها، هناك حاجة إلى مبدأ استراتيجي إضافي: مواصلة حملة مفتوحة ضد حزب الله وملاحقة عناصره بشكل مستمر في جميع أنحاء المسرح حتى تفكيك قدراته العسكرية.

من يريد حقاً منع حرب لبنان الرابعة عليه أن يفهم أن جولات القتال المتكررة مع منظمة إرهابية هي صيغة لتعزيزها وليس تدميرها.

وبالتالي فإن إنهاء الحرب على خط الليطاني ليس مجرد هدف تكتيكي: بل هو شرط أساسي لضمان أمن سكان شمال إسرائيل وتمكينهم من العودة إلى حياة آمنة وسلمية ومزدهرة.

الكاتب قائد متقاعد في جيش الدفاع الإسرائيلي والرئيس التنفيذي لمنتدى الدفاع والأمن الإسرائيلي (IDSF). شغل منصب نائب قائد لواء، وقائد كتيبة، وقائد قاعدة تدريب المشاة للقيادة الجنوبية، وكان مسؤولاً عن إعداد جنود وقادة جيش الدفاع الإسرائيلي للقتال العام في قطاع غزة، بما في ذلك خلال عملية الجرف الصامد. على الرغم من إصابته في القتال، فقد خدم أيضًا كضابط عمليات خاصة في القيادة المركزية، مسؤولاً عن العمليات السرية التي نفذتها وحدة النخبة في الجيش الإسرائيلي في جميع أنحاء الضفة الغربية.



Source link

صلاح الحيدري

يُعدّ صلاح الحيدري أحد أبرز الأسماء في مجال الصحافة الرقمية والإعلام الإخباري في العالم العربي. بفضل خبرته الطويلة في العمل الصحفي وإدارته لفرق تحرير متعددة، استطاع أن يرسّخ مكانته كأحد القيادات التحريرية التي تجمع بين المهنية العالية والرؤية الإعلامية الحديثة. يشغل صلاح الحيدري منصب رئيس التحرير في هذا الموقع الإخباري، حيث يشرف على السياسة التحريرية العامة ويقود فريقًا من الصحفيين والمحررين لضمان تقديم محتوى إخباري موثوق ودقيق للجمهور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى