العـــرب والعالــم

كيف سيطرت إسرائيل على رواية أسطول الصمود العالمي؟

وبينما كانت عيون العالم مركزة على العشرات من السفن التي حاولت اقتحام غزة، كان يجري من وراء الكواليس معركة من نوع مختلف تماماً خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية: معركة وعي، موقوتة ودقيقة، سعت إسرائيل من خلالها إلى تحييد أسطول الصمود العالمي نفسه وإمكاناته التفجيرية على الساحة الدولية.

في إسرائيل، اعتُبر الأسطول محاولة لخلق أزمة وعي وسياسة عشية المناقشات حول تنفيذ عناصر المرحلة الثانية من خطة سلام غزة في قطاع غزة، وصرف الانتباه عن الجهد الدولي لدفع غزة إلى المرحلة التالية.

ووصف مسؤولون إسرائيليون عملية مشتركة، غير عادية في نطاقها، تولت فيها وزارة الخارجية – وليس المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي – قيادة الحملة الإعلامية.

وقال مسؤولون إسرائيليون “هذا هو بالفعل الأسطول الخامس. لقد تعلمنا الدروس”. وقالوا إن التحدي هذه المرة كان أكثر تعقيدا: فقد كان أسطولا كبيرا بشكل خاص، من المقرر أن يضم حوالي 100 سفينة، وليس حدثا أصغر من النوع الذي تتمتع إسرائيل بخبرة فيه بالفعل.

كلما اقترب الأسطول من ساحل غزة، زادت احتمالات الاحتكاك العملياتي والسياسي والإعلامي. ولذلك، بحسب المسؤول، كان من الضروري التعامل مع الأمر في مرحلة مبكرة.

وأضاف: “الجيش الإسرائيلي يعرف كيف يتصرف على المستوى العملي، لكن وزارة الخارجية تعرف كيف تحكي القصة للعالم – وكانت تلك هي المعركة المعلوماتية والدبلوماسية التي دارت خلال الـ 24 ساعة الماضية”.

خلف الكواليس كانت هناك عدة هيئات تعمل بتنسيق كامل: وزارة الخارجية، قسم العلاقات العامة، المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، الشرطة، مصلحة السجون وسلطة السكان.

وقال مسؤولون إسرائيليون إنه، خلافا للحوادث السابقة، كان هناك “انسجام” هذه المرة بين جميع الجثث. قام موثقو العمليات من وحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بنقل المواد من الميدان إلى وزارة الخارجية، حيث قاموا بتحويلها بسرعة إلى مواد إعلامية ورسائل للشبكات وإحاطات سياسية.

استراتيجية إسرائيل في التعامل مع رواية أسطول الحرية

يرتكز الخط الإسرائيلي على ثلاث رسائل مركزية. الأول: إنكار شرعية الأسطول. وبحسب الرسالة الموجهة للعالم، فإن المنظمات التي تدير الجهود الإنسانية في غزة حاليًا هي آليات دولية، على رأسها مجلس سلام غزة ومركز التنسيق المدني العسكري، وليست مشغلي الأساطيل الخاصة.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، تم إدخال أكثر من مليون ونصف طن من المساعدات الإنسانية وآلاف الأطنان من المعدات الطبية إلى القطاع عبر القنوات الدولية الرسمية التي تم إنشاؤها في أعقاب خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لغزة.

وشددت القدس على أنه “لا يوجد فراغ إنساني يملأه الأسطول – إنه مجرد عرض”.

أما الرسالة الثانية فكانت موجهة إلى العناصر التي حددتها إسرائيل بأنها تقف وراء القافلة. وزعمت إسرائيل أن حماس هي القوة الدافعة وراء المبادرة، في محاولة لصرف الانتباه عن الضغوط الدولية لنزع السلاح ونسف التقدم السياسي.

وقال مسؤولون إسرائيليون: “هذه ليست مبادرة مدنية بريئة، إنها خطوة منسقة”.

أما الرسالة الثالثة فقد ركزت على المشاركين أنفسهم، وهي التي لقيت صدى سريعا. واختارت وزارة الخارجية خطاً غير عادي، يكاد يكون ساخراً، والذي أصبح حديث المدينة: حيث وصفت الأسطول بأنه “أسطول الواقي الذكري”.

وأظهرت وثائق من جيش الدفاع الإسرائيلي – تم تمريرها مباشرة إلى وزارة الخارجية – مواد مثل الواقي الذكري والمخدرات، إلى جانب سجلات الأنشطة الترفيهية على متن السفينة.

وقال مسؤولون إسرائيليون: “لم يكن علينا أن نخترع أي شيء”. “فقط أظهر للعالم من هم الناس وماذا كان يحدث هناك.” وتم تضخيم الرسالة على وسائل التواصل الاجتماعي وسرعان ما تردد صداها، مع محاولات تصوير الأسطول على أنه تحرك علاقات عامة استفزازية وليس عملية إنسانية.

وبالتوازي مع الحملة الإعلامية، بُذل جهد دبلوماسي مكثف. جاءت نقطة التحول مع إعلان غير عادي من قبل مجلس السلام.

قرر المجلس فعليًا أن هذا هو عنوان المساعدات الإنسانية في غزة، وانتقد الأسطول باعتباره عملاً من أعمال الترويج الذاتي وليس مصدر قلق حقيقي لسكان قطاع غزة.

ويعتقد المسؤولون الإسرائيليون أن مثل هذا الإعلان لم يولد من فراغ، بل يعكس العمل الدبلوماسي الهادئ الذي تقوم به وزارة الخارجية تجاه الهيئات الدولية.

سيتم نقل نشطاء أسطول الحرية إلى اليونان

مباشرة بعد ذلك جاءت خطوة وزير الخارجية جدعون ساعر، الذي أغلق الدائرة: الإعلان عن نقل النشطاء إلى اليونان وليس إلى إسرائيل، دون وقوع إصابات.

كان الهدف من قرار نقل النشطاء إلى اليونان، بدلاً من إجراء عملية اعتقال مطولة حولهم في إسرائيل، هو إحباط الصورة التي كان منظمو الأسطول يبحثون عنها مسبقًا: النشطاء الأجانب في مواجهة الشرطة الإسرائيلية، والكاميرات، وجلسات الاستماع القانونية، وعناوين الصحف العالمية.

ومن وجهة النظر الإسرائيلية، كان ذلك بمثابة خطوة تهدف إلى نزع فتيل الحدث قبل أن يتحول إلى مظاهرة سياسية أخرى.

وكانت النتيجة، بحسب مصادر إسرائيلية، تحييدًا شبه كامل لتهديد الصورة في أقل من 24 ساعة. قال أحد المصادر: “لقد كان منجمًا متجددًا للمعلومات”. “وهذه المرة تمكنا من نزع فتيلها في الوقت المناسب.”

ردًا على قرار ساعر بترحيل المشاركين في أسطول الحرية إلى اليونان، أصدر وزير الأمن القومي إيتمار بن جفير بيانًا قويًا يوم الجمعة ضد قرار عدم إحضار نشطاء الأسطول إلى إسرائيل.

وأشار بن جفير في بيانه إلى أن التهديدات من تركيا هي أحد العوامل وراء ترحيل المشاركين.

ووصفها بأنها “رسالة ضعف تجاه أعداء إسرائيل وناشري معاداة السامية في العالم”، مدعيا أنها “تتعارض مع المناقشات السابقة وقرارات كافة الهيئات المهنية باعتقال المشاركين في الأسطول”.

بعد هذا الإعلان، قال بن جفير معاريف وأنه على مدى شهر كامل، استعدت الهيئات المعنية، بما في ذلك الجيش الإسرائيلي ومصلحة السجون، لاحتجاز نشطاء القافلة في إسرائيل واعتقالهم ونقلهم إلى السجون.

ووفقا له، فإن الخطة الأصلية شملت حوالي 1000 ناشط.

وبحسب مصدر رفيع، فقد عقدت أمس جلستان صغيرتان لمجلس الوزراء بشأن قرار اعتقال الناشطين. ومع ذلك، بحسب المصدر، اتخذ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وساعر القرار دون موافقة مجلس الوزراء بعدم اعتقالهما.



Source link

صلاح الحيدري

يُعدّ صلاح الحيدري أحد أبرز الأسماء في مجال الصحافة الرقمية والإعلام الإخباري في العالم العربي. بفضل خبرته الطويلة في العمل الصحفي وإدارته لفرق تحرير متعددة، استطاع أن يرسّخ مكانته كأحد القيادات التحريرية التي تجمع بين المهنية العالية والرؤية الإعلامية الحديثة. يشغل صلاح الحيدري منصب رئيس التحرير في هذا الموقع الإخباري، حيث يشرف على السياسة التحريرية العامة ويقود فريقًا من الصحفيين والمحررين لضمان تقديم محتوى إخباري موثوق ودقيق للجمهور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى